على الرغم من أن السياسة الخارجية للمملكة تأخذ الحيز الأكبر من اهتمام وسائل الإعلام العالمية وينشغل بها العالم لفترات زمنية طويلة إلا أن الأوضاع الداخلية في المملكة لا تقل أهمية عن هذه السياسة وتكاد تسبقها بخطوات كبيرة من حيث الخطورة والفوضى وسياسة القمع الممنهجة التي يذهب ضحيتها نساء ونشطاء ودعاة وأقليات دينية يمارس ضدها أسوء أنواع الظلم في ظل تعتيم اعلامي مدروس على هذا النهج السعودي القائم منذ سبعينات القرن الماضي وربما اكثر.
هذه المرة ماكينات القمع التابعة لسلطات المملكة موجهة ضد نساء السعودية، وهناك حالات تتزايد باضطراد مستمر تتعلق بفرار عدد من فتيات المملكة نحو الخارج وتزايد ذا الامر بعد وصول محمد بن سلمان إلى السلطة مع العلم ان الأمير الشاب تعهد بتحسين حياة النساء السعوديات، فقد قام بتشويه الشرطة الدينية التي كانت تخشى مرارًا وتضايق النساء اللواتي يرتدين ملابس غير ملائمة من وجهة نظرها ، وفي العام الماضي رفع الحظر عن قيادة النساء للسيارات، كما يمكن للنساء السعوديات الآن حضور حفلات مختلطة ، ولكن هل كانت اصلاحات ابن سلمان مجرد أوهام غايتها التسويق لولي العهد لمرحلة معينة دون تحقيق أي من الأمور التي تعهد بإنجازها فيما يخص حقوق المرأة في المملكة، وهل ركب ابن سلمان موجة ظلم النساء المتنامي في البلاد - والذي كان سببه اعمام بن سلمان نفسه - حتى يطرح نفسه بقوة في الداخل والخارج على أنه "مخلص" السعودية القادم؟.
جميع المؤشرات تؤكد الاجابة بـ"نعم" على جميع تساؤلاتنا، وإلا لما كانت "رهف القنون، أشواق واريج حمود، شهد المحيميد وغيرهن كثر قد فضلن الفرار على البقاء تحت وصاية أخوتهن أو آبائهن أو اي ذكر آخر من الأقرباء.
وفي عام 2008م، أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريراً مطولاً بعنوان "قاصرات إلى الأبد"، حول نظام ولاية الرجل والفصل الحاد بين الجنسين في السعودية، مندِّدة بهذه الانتهاكات، وتقريراً آخر "كمن يعيش في صندوق"، في يوليو/تموز عام 2016م، بعد بداية حملة إسقاط الولاية.
حالات الفرار خارج أسوار المملكة أصبحت مادة إعلامية "دسمة" لجميع الصحف العالمية خاصة في الوقت الحالي بعد أن ضجت كبرى الصحف بحادثة "فرار" "رهف القنون" من المملكة ونجاحها في الوصول إلى "كندا" وتقديم طلب لجوء على عكس الكثير من الفتيات اللاتي لم يحالفهن الحظ للقيام بذلك أمثال دينا علي السلوم التي ألقت السلطات الفلبينية القبض على الشابة البالغة من العمر 24 سنة في مطار نينوي أكينو الدولي بينما كانت في طريقها إلى سيدني. ويمكن القول إن عماها اختطفاها وأعاداها إلى مسقط رأسها بصفة قسرية. وعلى الرغم من صراخها ومقاومتها، تمكن قريباها من إجبارها على الصعود على متن الرحلة الجوية المتجهة نحو جدة على متن رحلة الخطوط الجوية السعودية رقم آس في 871.
رهف القنون
أخفقت السلطات السعودية هذه المرة في محاولة اعادة رهف بصفة قسرية إلى المملكة وبعد يومين على لجوئها إلى كندا، روَت الشابّة رهف محمد القنون أنّها فرّت من السعوديّة هرباً مما اسمته حياة "العبوديّة" والعنف الجسدي الذي كانت تتعرّض له من جانب والدتها وشقيقها، على حد قولها.
وفي مقابلة هي الأولى لها منذ وصولها إلى كندا، قالت رهف لقناة "سي بي سي" إنّ "أكثر شيء أخافني هو لو أنّهم أمسكوا بي. إذا أمسكوا بي، سأختفي"، في إشارةٍ منها إلى ذويها. وأضافت: "حبسوني 6 شهور؛ لأنني قصصتُ شعري»، وروَت أنها تعرّضت «لعنف جسدي" متكرّر من شقيقها ووالدتها. وتابعت رهف: "بالنسبة لنا نحن السعوديّات، كنّا نعامل كعبيد".
لا يوجد من يحمي النساء في المملكة
فضحت الناشطة الحقوقية السعودية، علياء الهذلول، تنصّل أعضاء هيئة حقوق الإنسان في السعودية من مسؤولياتهم تجاه قضية شقيقتها لجين. جاء ذلك في تغريدة نشرتها علياء على حسابها بـ"تويتر"، مساء الثلاثاء، وجّهتها إلى أعضاء الهيئة: "آمال المعلمي، ووفاء الصالح، وسمها الغامدي".
وقالت الهذلول: "شكراً جزيلاً لصراحتكم، عندما زرتم لجين في (سجن) ذهبان وأخبرَتكم بما جرى، سألتكم: الحين (الآن) بتضمنوا لي سلامتي؟". وأضافت: "فكان جوابكم: طبعاً لا ما نقدر"، مؤكدة أن "الهيئة ليست مخوّلة بحماية الأشخاص، لكن بإمكان أعضائها المطالبة بصلاحيات أكثر لأداء أفضل".
وتنصُّل الهيئة من مسؤولياتها يُظهر حالة القمع التي تعيشها السعودية في ظل حملات القمع التي تشنّها السلطات السعودية ضد الناشطين.
ولجين، المعتقلة منذ مايو 2018، تعرّضت لمختلف أشكال التعذيب والإساءة، بحسب ما ذكرت علياء في مقال لها نشرته في صحيفة "نيويورك تايمز"، في 13 من يناير الجاري.
وقالت: إن "سعود القحطاني، المستشار (السابق) في ديوان ولي العهد السعودي (محمد بن سلمان)، أشرف على بعض جلسات التعذيب وهدّدها بالاغتصاب".
في الختام؛ أوضاع النساء في المملكة على صفيح ساخن وما تكرار حالات الفرار في عهد ابن سلمان إلا خير دليل على فشل الأخير في تحسين اوضاع النساء بصورة حقيقة وليست شكلية؛ نساء المملكة في الحقيقة يُعانين من ظلم واسع النطاق بين الجنسين، مما يعكس الطريقة التي تعتمدها سياسة البلاد والمجتمع والتأويلات الدينية المحددة لفرض أنظمة قمعية على النساء. فالقيود المفروضة على التنقل، نظام الوصاية، الزواج القسري وقوانين الطلاق غير المناسبة ما هي سوى مظاهر متنوعة للتمييز الذي تعاني منه المرأة السعودية.