بقلم: فيصل التويجري
ومن يجعل الضرغام للصيد بازه تصيده الضرغام فيما تصيد!
لا ينفك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الاستمرار في جلد ظهر السعودية وحكامها بكل قسوة وعنفوان غير آبه بالعلاقات التاريخية بين البلدين، حيث يستمر في فضح وتهديد الملك سلمان بأنه أعجز من أن يبقى في الحكم لأسبوعين اثنين دون حماية أميركية واليوم يعود تارة أخرى متلذذا باستعراض فرض قوته على الملك سلمان مستمتعا بتجريده من أي مهابة وسلطان في خطاب مفارق لأدنى قواعد الدبلوماسية ومخاطبة الملوك والرؤساء.
وفي آخر خطابات ترامب الذي تتملكه روح الكايبوي الأمريكي المغتر، كشف امام جمهوره عن المزيد من أسرار اتصاله الأخير مع الملك سلمان حيث قال" قلت له عليك أن تدفع فيتعلل الملك ألا أحد طلب منه ذلك فيرد عليه ترمب هذا انا أطلب وعليك أن تدفع". ويرى محللون هنا أن الرئيس الأمريكي قد بلغ مدى بعيدا في تشويه صورة الملك أمام شعبه وأمام عالم عربي وإسلامي استقر لديه في السنوات القليلة الماضية أن الرياض هي عاصمة القرار العربي والإسلامي".
ومما زاد الوضع سوءاً هو استمرار سكوت الملك عن هذه الاهانات، فالسعوديون اليوم مستاؤون جداً مما يتعرض له ملكهم ومملكتهم، بل أن ما سأهم أكثر هو أن الملك بزعم ترمب وافق على دفع ثمن الحماية، والحماية هي المفردة التي يستعملها ترمب بلا حرج وهي التي يصفها ولي العهد في أول تصريح له بأنها ليست أكثر من انتقاد صديق يحب العمل معه، حيث قال في مقابلة مطولة مع وكالة بلومبيرغ الأميركية، علق ابن سلمان على تصريحات ترامب المتتالية -التي تحدث فيها عن توفير الحماية للسعودية وأن على الرياض أن تدفع مقابلا لها- بقوله إنه "يجب عليك تقبل مسألة أن أي صديق سيقول أمورا جيدة وسيئة، لذلك لا يمكنك أن تحظى بأصدقاء يقولون أمورا جيدة عنك بنسبة 100% حتى داخل عائلتك". ومع ذلك فإن وقائع التهديد الترامبي والاستجابة السعودية له تحيل إلى معطيات جداً خطيرة وكاشفة لحالة الاستقلال والسيادة في المنطقة العربية بعامة والخليجية على نحو أخص.
المملكة تفقد رونقها ومكانتها العربية والاسلامية
خلال السنوات الأخيرة قيل إن المملكة العربية السعودية هي مركز العالم الإسلامي وهي الدولة الأكبر في الجزيرة العربية وقد وصفت بعاصمة القرار العربي مزيحة القاهرة وبغداد عن المشهد العالمي. أما اليوم فقد فشلت في أول اختبار في قول "لا" للأمريكي ولذلك بدأ رضوخ المملكة لترامب صدعا نفسيا كبيرا يتجاوز المملكة إلى غيرها على مقدار ما تمثله بهذا العالم. ومن هنا، وبحسب محللين أمريكيين، يبدو أن شقاء المملكة العربية السعودية والعائلة الحاكمة واستمرار رضوخهم التام أمام ترمب "الصديق والشريك الاستراتيجي" سيطول فترة ما يفتأ يذكر ناخبيه بكثافة الغنائم التي تنتظرهم كأنه قائد عسكري يثير خيالا جنوده بالثروات العظيمة التي حصدها من جيوب مواطني حليفتهم الاستراتيجي في المنطقة.
مخاطر القبول بالدفع مقابل الحماية
اعلان ترامب عن قبول الملك سلمان لطلباته والذي يتمثل بالدفع نظير الحماية سيضع المملكة السعودية أمام تحديات كثيرة، وبسبب كثرة طلبات ترامب المالية فان ثروات المملكة ستنقص كثيرا. وهذه مشكلة كبيرة، فملايين الشباب السعوديين لا يجدون فرص عمل ويعيشون في أحلك الظروف وباقي الشعب يطارده شبح الفقر، كما أن تنويع الموارد الاقتصادية يريد مالا أكثر، واستدامة ما هو قائم يتطلب الكثير من المال، وخطط بن سلمان الاقتصادية الحالمة ورؤيته 2030 ومشروع نيوم يتطلب مالاً أكثر، وهناك حرب السعودية في اليمن والتي تزداد تكاليفها المالية والأخلاقية كل يوم دون أن يحقق عزمها نصراً. وكل ذلك سيشكل معضلة أمام مؤسسة النقد العربي السعودي التي عليها أن تتوسع في خدماتها فتوفر مالا للمملكة ومالا ترمب.
ختاماً لقد انقضّ ترامب على المملكة في أكثر لحظات وجودها حرجا، فهي تمضي في مسار انتقال للسلطة قلق أغرى به ثم حوله إلى وسيلة ابتزاز. واليوم تبحث السعودية عن مؤسسات إقليمية تؤازرها في وجه ترمب فلا تجد إلا طللاً لمجلس التعاون الخليجي بعد أن خربته السياسات الصغيرة، وتلتفت إلى الجامعة العربية فإذا هي لا تكاد تدين أو تنطق إلا بمقدار فصاحة أبو الغيط وبيانه، وقد تبحث عن عالم إسلامي يكون ظهيرا لها وهنا ستكون المفارقة الكبرى أن العالم المستنجدة به هو عينه الذي حشده قبل أكثر من عام الملك سلمان للرئيس ترمب الصديق يوم ذاك المتطلب في لؤمٍ اليوم ومن يجعل الضرغام للصيد بازه تصيده الضرغام فيما تصيد قالت العرب قديمة.