بقلم: فيصل التويجري
أحب من أحب وكره من كره، تبدو القوات الإماراتية والسعودية مصرة على البقاء في اليمن حتى بعد التوصل الى حل سلمي يوقف الاقتتال بين أبنائه وبغضن النظر عن الثمن حتى لو كان سفكاً لدماء اليمنيين. ما شهدته شبوة من اشتباكات بين مليشيات محلية موالية لأبو ظبي وسكان محليين، وقبلها هجوم القوات السعودية في المهرة على صيادين يمنيين، نقل أجندة البلدين في اليمن من الافتراض النظري الى ممارسات على الأرض شرعت تتذرع بمكافحة الإرهاب بعد أن تدخلت بدعوى دعم ما يسمى بالـ " الشرعية"، مثيرة في كل ذلك غضب أعداد متزايدة من اليمنيين.
مدينة شبوة، البعيدة عن مناطق الاشتباكات، والغير الآمنة من أذرع الأمنية للتحالف السعودي الاماراتي، حيث شهدت خلال اليومين الماضيين اشتباكات وقصف جوي وقتلى وجرحى، بين مسلحي ما تعرف بالنخبة الشبوانية المدعومة سعودياً واماراتياً والخارجة عن سلطة "الحكومة الشرعية" وأهالي منطقة مرخة في المحافظة المضطربة منذ فترة. فما الذي أشعل فتيل المواجهات المسلحة هذه المرة.
وبحسب بيان صدر عن النخبة الشبوانية أنها كانت تحاول دهم منزل مشتبه فيه من أبناء السادة بتهمة الانتماء الى تنظيم القاعدة، الا أن الأهالي رفضوا ذلك واندلعت على إثرها اشتباكات عنيفة بغطاء جوي اماراتي سعودي. ومن بين القتلى قائد ما تعرف بالقوات المشتركة للنخبة الشبوانية صالح عجاج.
وفي هذا السياق يرى الباحث في شؤون الخليج والشرق الأوسط سيغورد نيوباور أنه من المهم فهم أن الإمارات لديها هدف استراتيجي في اليمن، يتمثل في السيطرة على موانئه لبناء إمبراطورية توصلها إلى شرق أفريقيا، والأمر الجديد هو أنه خلال خمسة أشهر دخلت الإمارات ووكلاؤها المهرة التي كانت آمنة وهادئة نسبيا. ولذلك ليس مفاجئا أن تقاتل قبائل المهرة هذه المليشيات التي تعمل لصالح أجندة الإمارات.
وقال المحلل السياسي اليمني ياسين التميمي أنه "كان يمكن ببساطة اعتماد وسيلة أقل عنفاً للوصول إلى الأهداف الأمنية المفترضة، ولكن لأن هذه الأهداف مرتبطة بالإمارات وهي أسوأ دولة عربية وأكثرها انتهاكا لحقوق الإنسان خصوصاً العرب والمسلمين منهم، فقد اختارت هذه الطريقة الاستعراضية التي تريد من خلالها أن تصرف الأذهان عن مهمتها القذرة الحقيقية في بلدنا اليمن".
وبعد السقوط المدوي لذريعة حرب التحالف السعودي الاماراتي في اليمن، وهي إعادة الشرعية الى صنعاء، جاء غطاء مكافحة الإرهاب لتبرير أي عمل عسكري في المناطق الخالية من جماعة الحوثيين. وللمفارقة العجيبة أن تلك الحملات العسكرية ليست بمشاركة القوات الموالية لما يسمى بالحكومة الشرعية بل بالتشكيلات المسلحة التي استحدثها التحالف فيما كان يفترض أنها مناطق مستعادة.
والى جانب النخبة الشبوانية ظهرت ما تسمى بالنخبة الحضرمية والحزام الأمني وكتائب أبو العباس، وفي المقابل رفض الأهلي فكرة التمدد العسكري السعودي الاماراتي والذي كثيراً ما وصف بقوة احتلال عبر مظاهرات واعتصامات يرددون فيها شعارات تندد بتقويض "السلطة الشرعية" وتقويض الشعب واطالة عمر حرب دمرت البلد وشردت أبناءه، حيث يستمر غضب أبناء المهرة وتتواصل اعتصاماتهم الرافضة لمحاولات القوات السعودية السير على خطى الاماراتيين بفرض سلطتهم ونفوذهم على أرض ليست لهم، وفي هذا السياق قالت صحيفة "وال ستريت جورنال" الامريكية ان أهالي المهرة، البوابة الشرقية لليمن، يتهمون الرياض باستغلال المشاريع التنموية لخدمة مصالحها الاستراتيجية العسكرية، وبمحاولة السيطرة على البنية التحتية الرئيسية في اليمن.
هذا اليمن، الذي يفترض أن يزور عاصمته صنعاء، المبعوث الأممي مارتن غريفث، الذي سيجري محادثات أيضاً في الرياض، والعنوان المعلن لهذه المباحثات هو السعي الى إعادة انتشار القوات في الحديدة، واي انتشار هذا في وقت تصر فيه السعودية والامارات على تفسير بنود ستوكهولم كما تريد، فما هو أفق نجاحه وصمود وقف اطلاق النار، والى متى ستستخدم ذريعة مكافحة الإرهاب مثل تنظيم القاعدة أو غيرها من التنظيمات الإرهابية لتبرير الأعمال العسكرية للتحالف السعودي الاماراتي في محافظات خالية من الحوثيين وبعيدة عن خطوط النار ومليئة بما يفتح شهية الطامعين في نفوذ خارج الحدود.
ختاماً، لصبر اليمنيين على تجاوزات تمس سيادتهم ووحدة ترابهم حدود، وأخطر ما في الأمر أن تتحول حرب اليمن المثخن بالجروح وخيبات الأمل الى حروب في بلد يشهد أسوء أزمة إنسانية في العالم.