بقلم: فيصل التويجري
ما هو الموقف الأمريكي القوي الذي سيخرج عن البيت الأبيض نهاية الأسبوع الحالي بشأن اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، وكيف سيكون شكل العلاقة بين واشنطن والرياض بعدها. تساؤلات أثارتها تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة، حيث قال بعد صدور نتائج الانتخابات النصفية للكونغريس ومجلس الشيوخ الأمريكيين، " انه أمر فظيع جداً سيكون لي رأي قوي الأسبوع القادم، نحن نعمل بشكل قوي مع الكونغريس، نحن نعمل معاً، هناك أخص مؤهلون في الكونغريس، سأعمل مع أنقرة والسعودية أيضاً، وأنا بصدد بلورة رأي قوي بشأن ما حدث.
اذا هو موقف مرتقب، يبدو أنه سيصدر عقب لقاء ترامب بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في باريس بعد أيام. وبحسب مصدر تركي، فان اللقاء سيشكل محطة أساسية في الموقف الأمريكي في جريمة قتل خاشقجي.
ومنذ بداية هذه القضية لم تغب واشنطن عن ساحات المواقف، بدأ أبرز في تصريح لترامب، في 15 من أكتوبر، عقب اتصاله بالملك السعودي الملك سلمان، حينها رجح ترامب مقتل خاشقجي بيد قتلة مارقين، كما بدى له من حديثه مع الملك الذي أكد له عدم علمه بالجريمة. لكن التطورات التي شهدتها القضية أظهرت أن هذا التصريح كان أبعد ما يكون عن الواقع.
بعث بعدها ترامب وزير خارجيته على عجل الى السعودية، للقاء الملك وابنه محمد، وقال بومبيو حينها أن القادة السعوديين نفوا بشدة أي علم لهم بما جرى مع خاشقجي في القنصلية السعودية، وأكد وجود التزام من جانبهم لمعرفة الحقائق وضمان المساءلة، لكنه طالب السعودية بإعلان الحقائق كاملة. وبعد أيام أجرى ترامب اتصالاً مع أردوغان، اتفق خلاله الرئيسان على ضرورة الكشف عن ملابسات الجريمة.
ومع توالي المعطيات التي كانت تكشفها التحقيقات التركية، أرسل ترامب مديرة وكالة الاستخبارات المركزية، جينا هاسبين، الى إسطنبول لإجراء مباحثات مع المسؤولين الأتراك، والحصول على تفاصيل التحقيقات قبل عودتها الى واشنطن، وتقديمها تقريراً استخباراتي بشأن الجريمة. ووفق ما كشفته صحيفة واشنطن بوست حينها، فقد استمعت هاسبين الى التسجيل الصوتي الذي يتضمن وقائع عملية اغتيال خاشقجي، هذا التسجيل وصفته الصحيفة بالدامغ الذي من شأنه أن يزيد من الضغط على واشنطن من أجل محاسبة الرياض.
وقد يتفق ذلك مع ما كشفه مسؤول تركي، بالإشارة الى الأدلة التي اطلعت عليها هاسبين، تضمن معلومات عن تلقي فريق الاغتيال توجيهات مباشرة من أعلى المستويات في السلطات السعودية. وبعد تقرير هاسبين، خرج الرئيس الأمريكي بتصريحات جديدة أكد من خلالها أنه أصبح لدى واشنطن الكثير من الحقائق بشأن اغتيال خاشقجي، وأن السعوديين لم يخدعوه، بل خدعوا أنفسهم.
تأثير الانتخابات الأمريكية على العلاقات مع السعودية
هذا التبدل التدريجي في مواقف الرئيس الأمريكي ربما سيزداد أكثر في الأيام القادمة خاصة بعد سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب الأميركي. وزاد غضب الديمقراطيين من ترامب مؤخراً إثر سياساته الخارجية، وعلاقته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واستمرار دعمه للسعودية على الرغم من تورطها بانتهاكات في حربها باليمن واعتقال قادة الرأي والحقوقيين وصولاً إلى اغتيالها الصحفي الشهير جمال خاشقجي، إلى جانب علاقته الوطيدة مع الملك سلمان بن عبد العزيز، وابنه "محمد". وسوف يقوّض فوز الديمقراطيين هذه العلاقات، إذ إن التشريعات الأميركية الجديدة لن تخدم سياسات ترامب المتبعة سابقاً، ففي ظل الانتهاكات المذكورة تأجج غضب المشرعين الأميركيين من دعم ترامب للمملكة مطالبين بوقفه، بل وبمعاقبة الرياض.
وفي هذا السياق قالت وكالة بلومبيرغ الأمريكية، أن الرئيس القادم للجنة الاستخبارات في الكونغرس، سيكون الديمقراطي آدم شيف الذي يحتفظ بسجل سياسي مناهض لترامب، يكاد يؤكد أنه “سيتعمق في الغوص” بملف علاقة الرئيس مع المملكة السعودية، بما في ذلك قضية خاشقجي. ورجحت الوكالة الأمريكية أن يتوسع مجلس النواب في الضغط على الرئيس بشأن العلاقات مع السعودية، لم تنس بلومبيرغ أن تضع لعنوانها شارحًا رئيسيًا، يناشد آدم شيف ورؤساء اللجان الديمقراطية الآخرين، بأن يتحركوا بحذر وأن يكونوا ” جديين وعادلين”.
قوانين تهدد السعودية
وحول نوع العقوبات التي من الممكن أن تتعرض لها الرياض على أيدي الديمقراطيون هو تأييدهم تطبيق الكونغرس لقانون "ماجنيتسكي"، والذي ينص على محاسبة الأطراف المتورطة في عمليات الاغتيال أو التعذيب للأشخاص خارج القضاء. وإذا ما ثبت تورط سعودي عالي المستوى في جريمة قتل خاشقجي، فسيكون بن سلمان تحت رحمة العقوبات الأميركية. كما هناك تهديد آخر إن سعوا في تطبيق قانون "جاستا" الذي يمكن بموجبه مقاضاة دول كالسعودية التي ينظر إليها على أنها دعمت "التطرف" الذي أدى إلى وقوع هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة وقدمت دعماً للمنفذين.
ختاماً، ان المعروف أن القادة والزعماء والرؤساء يسعون لتسجيل إنجازات ونجاحات وانتصارات خلال ولاية حكمهم، لكن سمو طويل العمر، سلك مسلكاً مختلفاً، فسعيه كان باتجاه التفرد والتميز في ارتكاب جرائم غير مسبوقة وتسجيلها باسمه في سجله الأسود، وهنا نقول له أن الأمر لن يطول فالحساب قادم لا محال وان لم يكن الآن فعند الله لا شيء يضيع.