المراقبة والخطف والقتل والاعتقالات والتعذيب والتحرش الجنسي، نماذج من حملة الكتيبة السرية او الفرق التي صنعت على عين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وبامر منه. صحيفة نيويورك تايمز التي كشفت النقاب عن العمليات السرية، تنقل عن مسؤولين أمريكيين مطلعين على تقارير استخبارات بلادهم أن تلك الحملة ترمي الى اسكات المعارضين والمنشقين داخل المملكة وخارجها. وأنها اسست منذ أكثر من عام من جريمة اغتيال خاشقجي، وهو ما قد يعني بعبارة أخرى أن، قتل الصحفي الزميل والبارز في قنصلية بلاده يمثل أوج ما ينسب للمجموعة من بطش وتنكيل لكنهم مع ذلك قد لا يكون سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. فما دلالة هذه التسريبات وخطورتها على المشهد الحقوقي والسياسي في السعودية؟ وما تأثير مثل هذه الحملة على سمعة ولي العهد والقادة المترددين في ادانته؟
اذاً بإذن من الأمير الشاب تشكلت الكتيبة السرية، ولاؤها المطلق له ومهمتها إسكات كل صوت ينتقده، أما أساليبها فحدث ولا حرج القتل والخطف والاحتجاز والتعذيب والتحرش وغيرها من الأساليب ان بقي شيء منها. فما لا يقل عن عشرة من تلك المهمات نفذها عناصر من فريق اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي منذ عام 2017 داخل المملكة وخارجها. فقد تشكل الفريق الذي يسميه مسؤولون أميركيون المجموعة السعودية للتدخل السريع قبل أكثر من عام من جريمة القنصلية الفظيعة ما يعني أن الواقعة جزء من حملة أوسع اطلع هؤلاء المسؤولون على تقارير مخابراتية سرية عنها. ومما كشفه لصحيفة نيويورك تايمز أيضا أن الفريق أشرف عليه مستشار الديوان الملكي السابق سعود القحطاني، بينما قاده في الميدان الضابط في الاستخبارات السعودية ماهر المضطرب.
في تقرير الصحيفة الأميركية نقرأ أن بعض العمليات انطوت على إعادة قسرية لسعوديين من الخارج، وأن سجناء احتجزوا في قصور ملكية وأسيئت معاملتهم. أما حملة الاعتقالات بفندق ريتزكارلتون فقد مارس القحطاني والمطرب الضغط خلالها على الأمراء لإجبارهم على التنازل عن بعض ممتلكاتهم. كما استخدمت تلك الحملة عام 2017 وفقا للتسريب، للتغطية على عمليات إخفاء لمعتقلين نفذها الفريق ذاته، وهو الذي تقول الصحيفة إنه متورط في اعتقال مجموعة من الناشطات السعوديات في مجال حقوق المرأة وإساءة معاملتهن تعذيبا وتحرشا وتهديدا بالقتل. وهو مادفع إحداهن وفقا لتقديرات المخابرات الأميركية وتقارير حقوقية إلى محاولة الانتحار.
تسرد الصحيفة أيضا عمليات خطف خارج حدود المملكة نفذتها كتيبة التدخل السريع التي ينوب القحطاني في رئاستها عن ولي العهد السعودي. ومنذ ترفيع الأمير إلى ولاية العهد تذكر نيويورك تايمز شهدت ملاحقة من يوصفون بالمعارضين والمنشقين السعوديين في الخارج تصاعدا كبيرا. مع أن لسلطات المملكة تاريخا طويلا في تلك الممارسات التي سلطت قضية خاشقجي الأضواء الدولية عليها بشكل غير مسبوق.
وفي وقت تجاهد فيه الرياض لطي الملف الماضي نحو التدويل، ينفجر في وجهها التسريب الأحدث خطورته أنه يزيد صورة السعودية وقيادتها الشابة قتامة، وأهميته كما بدت لمراقبين في مصدره، فهم ليسوا مجرد مسؤولين أميركيين بل تلك الفئة منهم المخولة بالاطلاع على السري من تقارير المخابرات. فهل ثمة حالة عدم رضا داخل إدارة دونالد ترامب التي تحدت خلاصة تقييم وكالة المخابرات المركزية حين انتهت إلى أن الأمر بقتل خاشقجي صدر من الأمير محمد بن سلمان شخصياً. وهو سيعني ذلك إذا تأكد أن فريقا من كبار المسؤولين في الإدارة باتوا أقرب إلى مقاربة الكونغرس لا لقضية خاشقجي فحسب وإنما لسجل المملكة الحقوقي بأكمله.
وحول الأهداف الحقيقية من وراء تسريب هكذا تقرير سري، يمكننا أن نقول أن هدفها الرئيسي إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمناقشة خطايا بن سلمان، وإمكانية إيجاد بديل له بالسلطة بالسعودية. وقد تشهد الأيام المقبلة قرارات جديدة من الكونغرس الأمريكي تجبر إدارة ترامب على اتخاد قرارات حاسمة ضد العلاقة مع السعودية بظل وجود بن سلمان، وقد نشهد رضوخ ترامب لمطالب الكونغرس حتى لا يظهر بمظهر الداعم لولي العهد السعودي رغم كل انتهاكاته وفضائحه.
ختاماً يمكننا القول إنه بعد جريمة اغتيال جمال خاشقجي وتفجر ملف المعتقلين وحقوق الإنسان بالسعودية، لن يشعر بن سلمان بالراحة والأمان، فكلما ظن أن ردود الفعل على جرائمه وانتهاكاته ستهدأ، أخرجت له إحدى المؤسسات الأميركية سواء إعلامية أو تشريعية قنبلة جديدة تعيد الحديث عن مشاكل السعودية بعهده للواجهة.