بقلم: فيصل التويجري
بعد وصول محمد بن سلمان الى ولاية العهد منذ سنتين، وهو يحاول جاهداً نقل المملكة من مملكة ديكتاتورية مرتبطة بالدين والتعصب الى مملكة علمانية لا علاقة لها بالدين لا من قريب ولا من بعيد. هذه الخطوة التي يصفها بعض المحللين بشبه "المجنونة" خاصة أنه لم يجرأ أحد خلال القرون الماضية على المساس بالمؤسسة الدينية، خاصة أن آل سعود يتكئون منذ نشأتهم على أعمدة الدين والمذهب الوهابي، ويتخذون من دعاتهم وعلمائهم جواز عبور نحو شرعيتهم وتثبيت أركانهم من خلال البيعة والحث على السمع والطاعة، كما أنه هناك ميثاق موقع بين الطرفين يقتضي بحماية بعضهما الآخر. أما اليوم يحاول الأمير الشاب التخلص من هذه التعهدات وذلك عبر زج الرموز الدينية في السجون وتقديم بعضهم الى المحاكمات وتنفيذ أحكام الإعدام بحقهم ليكونوا عبرةً لكل من تسوّل له نفسه الاقتراب من برنامج ولي العهد "العلماني".
هذه المحاولات التي يقوم بها الأمير الطائش اتسمت بالتناقض في كثير من الحالات، فتارة تراه يعتقل رجال الدين ويزج بهم في السجن، وتارة تراه يزجّ بنشطاء حقوقيين يدافعون عن حقوق الانسان ويقدمهم الى المحاكم وينفذ بهم اعدامات كاعدام الناشطة اسراء الغمغام التي أفنت عمرها في الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان ومنح المرأة المزيد من الحريات.
أو مشاجرته مع كندا والتي كشفت بحسب موقع "ميدل إيست آي" البريطاني زيف دعاوى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان العلمانية. حيث قالت كاتبة المقال أنه "بدلًا من تأكيد السيادة السعودية على الشؤون الداخلية، فإن الرد المفرط أكد أن الإصلاحات في ظل ولي العهد محمد بن سلمان، التي قدمت من خلال رؤية 2030، ليست إلا واجهة لم تتحمل انتقادًا خفيفًا".
وتناولت صحيفة "نيويورك تايمز" الامريكية في افتتاحيتها يوم أمس هذه القضية، واعتبرت أن ابن سلمان اتخذ مجموعة الإجراءات الأخيرة المتعلقة بالحريات والتحرر ليتستر خلفها لتمرير قمعه وبطشه بمعارضيه. وأضافت الصحيفة أنه "من المحتمل أن مشروع ولي العهد لجعل السعودية دولة مُعرَّفة سياسياً وليست دينياً، سوف يؤدي لهدم الرؤية التي يعود تاريخها إلى قرن من الزمان بوجود جغرافيا إسلامية، التي كانت دائماً قائمة على الجزيرة العربية التي تشكل مركزها غير السياسي". وتابعت الصحيفة الأمريكية أن "ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتخذ خطوات سريعة لجعل بلاده قوة سياسية وعسكرية لأول مرة منذ تأسيسها، فدخل بسبب ذلك في حرب وحشية مع اليمن، وفرض حصاراً ظالماً على قطر، وتبنَّى مواقف عدوانية متنامية ضد إيران ومنافسين آخرين". وختمت الصحيفة مقالها قائلة إنه "وسواء نجحت استراتيجية محمد بن سلمان أم لا، فإنَّها ستغير مكانة السعودية الدينية في العالم الإسلامي".
لم يستطع ابن سلمان في ظل ما يسميه بـ "التحديث والاصلاح" الذي يقوم به في المملكة تحمل مخالفيه بالرأي، وإن كانوا بعيدين عن العنف والصدام المباشر مع الدولة، فاخذ يعتقلهم واحداً تلوى الآخر، بعد أن ينتقيهم بعناية فائقة، فكان أبرزهم سلمان العودة الذي يمتلك مؤهلات ليست لغيره، من رمزيته التاريخية الكبيرة، وانفتاحه على العالم الإسلامي وانتمائه إلى تيار عريض يوقره ويسمع له في الوطن العربي والإسلامي. مُتبعا إياه بباقي العلماء، من يُحتمل أن يكونوا معارضين في المشهد السعودي، وقبل خمسة أيام أخذ يحاكمهم واحداً تلوى الآخر في محاكمات سرية لا يحق لهم الدفاع عن أنفسهم فيها، ففي نظام المملكة الجديد إما أن تُكثف الدعاء لوليّ الأمر، وإما أن يُطالب بإعدامك تعزيرا لتكدير السلم العام، وهنا صدر أول حكم اعدام بحق العودة بعد أن وجهت له 37 تهمة أبرزها يدور حول الإرهاب.
بن سلمان لم يكتفي بالعودة بل رأى أن إعدامه وحيداً لن يسكت معارضيه، بل ربما يشجع الآخرين على الانتفاضة في وجهه، وهنا يقول نجل الداعية سلمان العودة، إن النيابة طالبت بإعدام كل من الداعية عوض القرني وعلي العمري، وفي تغريدة عبر حسابه الشخصي في "تويتر"، الجمعة 7 أيلول، قال عبد الله إن النيابة طالبت أيضاً بسجن بقية الدعاة المعتقلين مدة 25 عاماً على خلفية تهم لها علاقة بـ "الإرهاب" والتحريض ضد الدولة. كما منع الداعية المعروف والمشهور العريفي من ممارسة الأنشطة الدينية وحذف مواقعه على التواصل الاجتماعي وفرض عليه الإقامة الجبرية في منزله.
ختاماً، تظهر هذه الإجراءات التي يقوم بها بن سلمان بحق علماء الدين من جهة مدى المعارضة التي يتعرض لها الأمير الشاب في السعودية، ومن جهة أخرى مدى ديكتاتورية مع كل من يقف في طريق طموحاته التي لم يتحقق منها أي شيء حتى اللحظة.