بقلم: فيصل التويجري
بالرغم من الضغوط الأمريكية على الدول المنتجة للنفط وخاصة حلفائها ومنهم السعودية وذلك للحد من إمكانية التوافق على تخفيض إنتاج النفط ما يسهم في خفض أسعاره عالميا، توصلت محادثات فيينا يوم الجمعة الماضي وفي اللحظات الأخيرة الى اتفاق على تخفيضات "أكبر من المتوقع" انعكست ارتفاعاً على الأسعار العالمية، وهي خطوة على درجة كبيرة مِن الأهميّة من النّاحية الاقتصادية، لكن الأهم في نظرِنا أنّ تحالُفًا سعودِيًّا روسيًّا برَز بقُوّة، يشَكِّل تَحَدِّيًا للرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب الذي طالَب قبل يومين مِن هذا الاجتِماع بعَدم تخفيض الإنتاج.
هذا الاتفاق المهم والذي سيدخل حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني/ يناير المقبل شكل ضربة قوية جديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد الضربات الأخرى التي تلقاها من الكونغرس الأمريكي الذي اتهمه بالتهاون في جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي قتل في 2 أكتوبر 2018 في قنصلية بلاده في إسطنبول، عبر حماية بن سلمان المتهم الرئيسي فيها، وعبر اسقاط المشروع الأمريكي الذي تقدمت به نيكي هيلي، سفيرة البيت الأبيض في الأمم المتحدة، في الجمعيّة العامّة للأُمم المتحدة بإدانَة هَجَمات "حماس" الصَّاروخيّة على الكيان الاسرائيلي.
وما أن أعلنت منظمة أوبك خفض انتاج النفط حتى ارتفع سعر البرميل 5 %، ومن المتوقَّع أن يعود سِعر البِرميل إلى 86 دولارًا، مِثْلَما كانَ عليه في تشرين أوّل (أكتوبر) الماضي، خاصَّةً إذا أوْفَت السعوديّة بِوعدها وخفّضت إنتاجها مِن 11.1 مِليون يَوميًّا حاليًّا إلى 10.3 برميل في شهر كانون الثاني (يناير) المقبِل.
يوم مرّ على بيان منظمة أوبك ولم يقل أو يغرد ترامب كلمة على وسائل التواصل الاجتماعي حول هذا الموضوع، فهو عودنا يومياً أن يهاجم أو ينتقد أي شيء في العالم، ومن هنا لا نعرِف كيف ستكون ردّة فعل الرئيس الأمريكي على هذه المواقف السعوديّة المتحدّية له، وهذا التَّحالف السعوديّ الروسيّ الذي ربّما لا يظَل محصورًا داخل منظمة "أوبِك"، وربّما يمتَد إلى قضايا أُخرى.
ويمكننا القول ومن خلال تصريحات وزير النفط السعودي، خالد الفالح، أن السعودية تتحدى بكل ما للكلمة من معنى أمريكا، حيث هي المرة الأولى التي يخرج فيها الفالح ويقول "أمريكا ليسَت في موقع أن تفرض على أوبِك ما يَجِب عليها أن تفعل... لا أحتاج إلى إذْنٍ مِن أحَد لكي أُخَفِّض الإنتاج". نعم هو تحدٍ حيث عودتنا السعودية بمجارات أمريكا في كل ما تطلبه منها دُونَ أيّ تَرَدُّد، ومن منا ينسى طلب الرئيس الأمريكي من ولي العهد السعودي ابان فرض العقوبات الأمريكية على إيران بتامين احتياجات السوق النفطي كي لا يتضرر السوق جراء خفض صادرات النفط الإيراني.
وفي هذا السياق فسر مجموعة من المحللين السياسيين الغربية تحد السعودية لترامب وامريكا بالتالي:
1-ان يكون قد حصل اتفاق سري بين السعودية وروسيا في قمة العشرين في الأرجنتين، وهذا ما دلت عليه المصافحة الحارة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأمير محمد بن سلمان خلالها. وقد تكون أبرز عناوين هذه الصفقة أن يقدم بوتين الحِماية والدَّعم للأوّل في مُواجَهة أيّ ضُغوط أمريكيّة مُسْتَقِلَّة بسَببِ قضية خاشقجي.
2-تمثل منظمة أوبك للسعودية أهمية كبيرة على الصعيد الاقتصادي فهي تأمن لها أسواق مهمة لصادراتها وتعطيها حصة كبيرة من الصادرات، لذلك تسعى المملكة الى الحفاظ عليها، لان فرطها سيؤدي الى عزل المملكة تماماً على الصعيد السياسي والاقتصادي وبالتالي انهيار النظام. ولذلِك قرَّرت إعطاء أولويّة لتَماسُك "الأوبِك" والحِفاظ على مكانَتها، لأنّ البَديل هُو الفَوضى في الأسواق، وانخِفاض الأسعار إلى أقل مِن ثلاثين دُولارًا الأمر الذي سيُخَفِّض العائِدات، وخَلقِ حالةٍ مِن الغَضب الشَّعبيّ يُهَدِّد استقرار المملكة والأُسْرةَ الحاكِمَة.
3-وهذا الأمر مستبع، هو أن يكون الأمير الشاب قد توصل الى نتيجة مفادها أن ترامب قد يَرضَخ لضُغوطِ الكونغرس وصُقور مجلس الشيوخ مِثل ليندسي غراهام وبوب ووكر وغيرهم، ويَرفَع الحِماية عنه، ويَفْرِض عُقوبات على السعوديّة على أرضيّة جريمة اغتيال خاشقجي، فقَرَّر القِيام بهجوم مباغت.
إذا أصبح من المؤكد أن السعودية تهدف من خلال خفض صادرات النفط الى توجيه رسالة قوية للأمريكي، وهذا ما ظهر في احدى مقالات الكتاب السعوديين المقربين من النظام اذ نشر أحدهم مَقالٍ يُهَدِّد بلُجوءِ السعوديّة إلى موسكو، وإقامَة قاعِدةً لها في تبوك شمال غرب المملكة، واستِبدال الأسلحة الأمريكية بنَظيرَتها الروسية في حالِ فَرضِ الرئيس ترامب عُقوباتٍ على السعوديّة بسَبب قضيّة اغتيال خاشقجي. وبالتالي يمكن القول إنها مقامرة كَبيرة إذا ما جَرى الإقدامُ عَليها، فإنْهاءُ عَلاقة تحالفيّة استراتيجيّة امتَدت حواليّ 80 عامًا مع أمريكا هُوَ بمَثابَة "إعلان حرب"، ولذلِك تُخامِرنا الكَثير مِن الشُّكوك في هذا المِضْمار. لا نعتقد اننا سننتظر كثيراً لمعرفة كيفية رد ترامب الأمريكي على التحدي الروسي، فهذا الرَّجُل لا يُطِيق صَبْرًا ونحن في انتظارِ تَغريدةٍ "غاضِبَةٍ" منه تَرُدْ على هَذهِ الصَّفعة بطَريقةٍ أو بأُخْرَى.