التغيير - طلال حايل
في كافة السير الذاتية التي قرأناها سابقًا وسنقرأها لاحقًا، لن نجد أحدً من كُتاب تلك السير يعترف بخيانته، غير أنّ متابعة مقابلة بندر بن سلكان مع صحيفة الأندبندنت بنسختها العربية كسر كافة الأعراف التي نعرفها، قد تستغرب كيف يمكن لشخص أن يُعلن للعالم أجمع أنّه "عميل" وأنّه سعى ويسعى لبيع قضية العرب والمسلمين الأولى، وكيف عمل جاهدًا على قتل وإنهاء الحلم بتحرير فلسطين، وذلك من خلال لقاءاته التي أجراها طيلة عمله كسفير لآل سعود في أمريكا، وكرئيس لجهاز المخابرات السعودي.
يقول بندر في سرد روايته التي تنزُّ عمالةً، "قضيت 23 عاماً في واشنطن، وعلى الأقل 60 % من عملي كان بخصوص القضية الفلسطينية!"، ويضيف بن سلطان: "قال كارتر أريد أن أحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأريدهم أن يتحدثوا مع بعضهم البعض، وأعتقد أننا قادرون على فعل شيء، أنا أريد أن يعترف الفلسطينيون بالقرارين الأمميين 242 و338، ومقابل ذلك، سأعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني ونفتح مكتباً لهم في واشنطن"، ويبدو من كلام بن سلطان أنّ آل سعود كانوا يتصرفون بمعزل عن الثورة والقيادة الفلسطينية، فبعد مشاورة ياسر عرفات بالموضوع يقول بندر: "أتى مندوب فلسطيني من الكويت، بخطاب من أبو عمار، موجه لكارتر وموقّع، ويقول الخطاب إنه بناء على اتفاقك مع فهد بن عبدالعزيز، فنحن موافقون حسب الشروط التالية ووضع 10 شروط، الاتحاد السوفييتي نفسه لا يستطيع فرضها على أميركا، وكان كارتر يقول اعترفوا ودعونا نبدأ".
ومن هذه الخلاصة الصغيرة لمجريات ما دار بين بن سلطان وملكه فهد والرئيس الأمريكي يتضح لنا أنّ آل سعود أرادوا إنهاء القضية الفلسطينية بمعزل عن الفلسطينيين الذي رفضوا العرض الأمريكي بمجرد وصوله إليهم، وهنا يبرز اللهاث السعودي خلف أي اتفاقية من شأنها إنهاء القضية الفلسطينية، بعد أن تحولت فلسطين والقدس إلى عامل ضغط على آل سعود الذي يدّعون خدمة بيت الله الحرام وحُماة الدين الإسلامي.
تطبيع مُمنهج
ويتابع بن سلطان سرد فصول خيانته وخيانة آل سعود لفلسطين، حيث يقول: "حين جئنا إلى الأمم المتحدة غضب عليّ الملك عبدالله، وقال: كيف تقول لي بأن الاتفاق جيد وفجأة يقول لي الفلسطينيون أن شيئاً لم يحدث؟ وجلسنا أنا وسعود الفيصل وأولبرايت والمستشار دينيس روس، وقبل أن تسهب أولبرايت في الترحيب قاطعها الملك عبدالله وقال: هل تريدون السلام فعلاً ودعم لعملية السلام أم لا؟ وهل صحيح أنكم لم تعرضوا عليهم اتفاقا أو توقيعا"، ما يسرده بن سلطان يعود بنا إلى "المبادرة العربية" التي أتت بقيادة وتنسيق سعودي بحت، وحملها الملك عبد الله بن عبد العزيز وتم إطلاقها من بيروت في العام 2002، والتي شرعت احتلال اليهود لمعظم فلسطين ودعت إلى التطبيع الكامل معه مقابل إقامة دويلة هزيلة لأهل فلسطين.
وتبرز خيانة عبد الله خلال الاعتداء الإسرائيلي على لبنان حيث عمل على تغطية ذلك العدوان من خلال التأكيد على أنّ ما قام به حزب الله هو "مغامرة غير محسوبة ولا يجب أن تحصل" وكان هذا الغطاء شماعةً لشنّ حرب إسرائيلية على لبنان استمرت 33 يوما.
بالإضافة لما سبق؛ يمكن القول ان الدعوة إلى تطبيع "غير الرسمي" مع الكيان الإسرائيلي كان واضحًا من خلال الوفود التي ترأسها الجنرال أنور عشقي ولقاءات تركي الفيصل مع داني أيالون، ناهيك عن فتحهم أجواء السعودية لتسيير رحلات مباشرة بين الهند والكيان الإسرائيلي، وصولًا إلى تصريحات ابن سلمان الأخيرة والتي تحاكي في قبحها وعد بلفور، حيث أقرّ في العام الماضي من خلال مقابلة مع مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية: إن "الشعب اليهودي له الحق في العيش بدولة قومية أو في جزء من موطن أجداده على الأقل، وإن كل شعب بأي مكان له الحق في العيش بسلام"!!.
إذاً؛ ومن خلال مطالعة سريعة للتاريخ نكتشف أنّ ما قام به بندر بن سلطان لا يخرج عن تقاليد عائلته في التنازل وبيع فلسطين لليهود، وهنا يحضر لنا الإقرار الذي قدّمه مؤسس الدولة السعودية الثالثة عبد العزيز آل سعود والذي يتضمن إعطاء فلسطين "لليهود المساكين"، وذلك لإرضاء بريطانيا التي نصّبت آل سعود كملوك على شبه الجزيرة العربية، لمعرفتهم المسبقة بما ستقدّمه هذه العائلة من خدمات لمشروع إنهاء الإسلام في مهد النبوّة.