التغيير - طلال حايل
في أولى مقابلاتها خرجت صحيفة "الاندبندنت" البريطانية والتي يُفترض بها الرصانة بحوار مُطول قال مُحرره إنّه استمرّ أربعة عشرة ساعة مع أحد أشهر أمراء آل سعود وهو بندر بن سلطان رئيس جهاز الاستخبارات السعودية السابق، الذي قال خلال ذلك اللقاء إنّ حكومة آل سعود هي من تقود التغيير في المملكة رغمًا عن المواطنين!.
للوهلة الأولى وعندما تقرأ ما قاله بن سلطان تُصيبك القشعريرة لهول ما يتحمله آل سعود من أعباء جرّاء تسلطهم على رقاب أبناء الجزيرة العربية، وفي هذا السياق يقول بن سلطان "إن السعودية هي البلد الوحيد في العالم الذي تأخذ الحكومة فيه بزمام المبادرة للتغيير في ظل مقاومة شعبية، وهو ما قد يثير جدلاً" مضيفًا: "منذ عهد الملك عبد العزيز وحتى اليوم، تعتبر السعودية البلد الوحيد حيث تريد الدولة أن تتقدم بينما ترفض الغالبية ذلك، والمثال على ذلك، تعليم البنات الذي كان ممنوعاً في السعودية، الدولة كانت تريد فتح مدارس لتعليم البنات ولم يظهر المواطنون حماساً لهذا الشيء"، لا أعرف من أي كوكب يتحدث بن سلطان، عن أي مُقاومة شعبيّة يتحدث! كل الناشطين المُطالبين ليس بالتغيير بل بأبسط حقوق الإنسان تمّ إيداعهم في السجون، وأما الناشطات الحقوقيات المُدافعات عن حقوق المرأة فالجميع بات يعلم ما يُكابدنه في سجون بن سلمان، والذي وصل الأمر بزبانيته إلى تهديدهن بالاغتصاب، وفي هذا السياق تقول "سارة ليا ويتسن" مديرة قسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش إنّ السعودية تسعى إلى إسكات وسجن من لا يلتزمون بالخط الرسمي، أو يجرؤون على إبداء رأي مستقل في السياسة أو الدين أو حقوق الإنسان، متى ستفهم السلطات السعودية أن التحدث إلى وسائل الإعلام أو منظمة دولية ينبغي ألا يكون جريمة!.
ويتابع الأمير صاحب السجل العريض في الارتشاء: "موضوع التلفزيون وإطلاق البث التلفزيوني، تعرض لمقاومة شرسة، ولم تلتفت الدولة لذلك، الخيارات كانت معروفة، إما التدرّج في التطور أو الثورة، ولكل منهما حسناتها وسيئاتها، ولهذا اختارت السعودية التدرج في التطور والتحديث، بإمكانك دائماً تجديد الآلة لكنك لن تتمكن من تجديد البشر، العجيب أنه في عهد الملك عبد العزيز حدثت إشكالية، بينه وبين كبار أعيان البلد، حول استخدام التكنولوجيا، ومنع الأجانب وغير المسلمين من دخول السعودية، هذا كان طلب بعض المحيطين بالملك، ولكنه في النهاية عاد إلى الشريعة الإسلامية، واتخذ قراراً حاسماً ولم يلتفت لهم، ولو استمع إليهم في ذلك الوقت لكانت السعودية اليوم مثل أفغانستان في ما يتعلق بالتنمية".
لا أعلم كيف لرجل قمع في السعودية أن يتحدّث عن وجود إعلام في مملكة الظلم التي ينتمي لها، ربما لا يعلم سمو الأمير أنّ إعلام مملكته حلّ في ذيل ترتيب الدول في العالم، وحتى في الوطن العربي نفسه في حرية الصحافة والإعلام في مؤشر الصحافة الصادر في العام الماضي، كيف له أن يتحدث عن وجود تلفزيون وصحف وإعلام في ظل عمليات القمع وكمّ الأفواه واعتقال الإعلاميين السعوديين والعرب والتضييق على أي ناشط يحاول انتقاد سياسات آل سعود وممارساتهم القمعية، كيف له اليوم أن يتحدث عن وجود إعلام بعد أن وصلت الحال بولي عهد آل سعود ذاته لارتكاب جرائم القتل بحق معارضيها وما تزال جريمة الخاشقجي حاضرة في أذهان الجميع، ليس الخاشقجي وحده؛ فقائمة قتل واعتقال الإعلاميين والصحفيين طويلة في مهلكة آل سعود، جرائم قديمة، جديدة ومستمرة.
واليوم ربما لا يعلم سمو الأمير أنّ وسائل الإعلام التي أمر مليكه عبد العزيز بإنشاءها، يحاول بن سلمان اليوم محاصرتها وقتلها، ففي ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بات من العبث محاولة السيطرة على هذه الوسائل التي أصبحت تحل محل الإعلام التقليدي، ولأن هذه الوسائل مكّنت أبناء البلاد من متابعة ما تُخفيه وسائل الإعلام التقليدية، ولذا تحاول هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات التابعة لآل سعود ربط حسابات شبكة تويتر مع هوية أجهزة المستخدمين، وذلك بهدف الحد من استخدام الحسابات مجهولة الهوية والحجّ’ في ذلك بأن هذه الوسائل يستخدمها متشددون لإثارة الاضطراب الاجتماعي!.
إذا.. يمكن الخروج بخلاصة واحدة من حديث بندر بن سلطان للصحيفة، وهي محاولة جديدة من قبل أبناء سعود لتلميع صورة مملكتهم التي يبدو أن زوالها بات قريبًا، وأنّ كل ما يقوم به أبناء هذه العائلة من حديث عن وجود إصلاح وانفتاح ما هو إلا محاولة لذر الرماد في العيون، ومن جهةٍ أخرى فإنّ هكذا أكاذيب ما عادت تنطلي على أبناء الجزيرة العربية الذين يرون بأم اعينهم ان ما يخرج من افواه بندر وباقي ال سعود ليست اكثر من اكاذيب وحيل لتأخير التغيير الحقيقي الذي سيكون بايدي المواطنين ونتاج افكارهم.