أفادت وكالات الأنباء السعودية يوم الأربعاء، 4 أغسطس، أن مؤتمرا حول "تعاون السلطات الدينية العراقية" سيعقد في مكة المكرمة. وقال منظمو الاجتماع إن الغرض منه هو خلق "وحدة الكلمة" بين الديانات الإسلامية في العراق. المؤتمر، الذي بدأ بكلمة أحمد حسن الطه، الباحث في مجلس الفقه العراقي السني، الا أن كلمته فقط نقلت خلال التغطية لقنوات السعودية.
وعلى الرغم من المزاعم والدعاية حول "توحيد المراجع الدينية العراقية" والتأكيد على مبادئ مثل مكافحة الإرهاب ووحدة المجتمع الديني العراقي في الاجتماع، فإن السجل الضعيف لمنظمي الاجتماع قد أثار احتجاجات من قبل العديد من المفكرين المسلمين والشعب العراقي. كما أن لهذا الاجتماع مخاطر أكثر قد تدفع الى الانقسام في البيت العراقي المهزوز، خاصة بعد انتقاء السعودية لخطباء معينين دون غيرهم.
تقريبا لا أحد من الأشخاص الذين حضروا الاجتماع كمقلدين عراقيين معروفون وليس لديهم وضع اجتماعي خاص. كان هذا هو الحال أيضًا مع علماء الدين السنة المدعوين، حيث لم يكن أي منهم معتدلاً. والأهم من ذلك، في هذا الاجتماع، فان السعوديين منحوا عمليا منصب زعيم الشيعة العراقيين الى آية الله السيستاني من أجل اتخاذ بعض الخطوات لاستهداف هذا البيت الشيعي واضفاء شرعية على ما سيصدر عن هذا الاجتماع.
لم يحضر الاجتماع أي شخص مقرب من آية الله السيستاني. ومع ذلك، أصر المنظمون السعوديون لمؤتمر "توحيد السلطات الدينية العراقية" على أن الحاضرين في المؤتمر يمثلون جميع المراجع الدينية الشيعية والسنية الأمر الذي لم يكن بالطبع يعجب الشعب العراقي. ولم يكن لدى الأشخاص الذين حضروا الاجتماع تحت ستار الشيعة والسنة القدرة على أن يدّعوا أنهم ممثلين للشيعة والسنة في العراق.
الآن بعد أيام من المؤتمر تظهر ردود الفعل والتحليلات أن المملكة العربية السعودية لم تفشل فقط في مشروعها المتمثل في لعب دور زعيم العالم الإسلامي وخلق سلطة زائفة بل تم اتهامها أيضًا بالتحريض على الفتنة، حيث أثارت دعوة السعودية لشخصيات مجهولة باسم "مرجعيات دينية شيعية" حساسيات دينية واسعة النطاق في العراق. حتى أن الخبراء السياسيين في العراق تسألوا عن هدف الرياض من ذلك عشية الانتخابات العراقية؟ وهل نتج عن مثل هذا العمل أي شيء سوى الفتنة والغضب العام؟
من الواضح أن المجتمع العراقي – الذي يعد أبرز الضحايا جراء العنف والإرهاب والسلفية - لم يعد يتسامح مع مثل هذه السيناريوهات المشؤومة ويعارض بشدة أهدافها غير إنسانية. كما أن الرياض التي تتعرض لضغوط هائلة لإنهاء الحرب في اليمن، وتجري مباحثات مع الوفد الإيراني في بغداد، وتنتظر حاليًا "قمة جيران وأصدقاء العراق" في بغداد، ينسى كل هذه الأمور ويلتفت اليوم الى وحدة العراق وأهله؟
من منظور واقعي واستراتيجي، يمكن للعديد من الخبراء والمراقبين للتطورات في المنطقة أن يفهموا جيدًا مدى تكلفة الأحداث مثل عقد هذا المؤتمر على المملكة العربية السعودية. مثل هذه الخطوة لن تؤدي إلا إلى زيادة الاتهامات ضد الرياض، وبالتالي فتح القضايا الأيديولوجية والسياسية السابقة للنظام السعودي. وكما يقول الدكتور أحمد راسم النفيس المفكر المصري : "السعودية أنفقت بالفعل مليارات الدولارات في ماليزيا ودعت العالم كله لمواجهة الشيعة. لكن "لماذا لا يقوى أحد على اتهام الرياض بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول؟".
من جهة أخرى، أكد المفكر المصري أنه في حالة الرياض وملتقى المرجعيات الدينية العراقية فان الرياض تخاطب هؤلاء العلماء باسم العراق وهو خطاء استراتيجي. لأن للعراق حكومته وسيادته، والجميع ملزم باحترام موقفه "الحكومة تمثل الشعب كله، والسلطات تمثل كل مسلم بغض النظر عما إذا كان شيعياً أو سنيًا".
بالتالي ان الرياض تهدف من خلال هذا المؤتمر وجمع هذا الكم الهائل من رجال الدين السنة والشيعة من العراق الى:
اولاً- هو ترتيب البيت العراقي على طريقتها، ولو من البوابة الدينية لاسيما ترشحت من كواليس الملتقى نية الملتقى عقد لقاء اخر ثان في العاصمة العراقية بغداد وفي عاصمة اقليم كردستان العراق اربيل.
ثانياً- هي من خلال هذا المؤتمر تحاول أيضاً أن تغض النظر عن فتاوي رجال الدين السعوديين الرسميين للتحريض الطائفي في العراق بعد الغزو والاحتلال الامريكي عام2003 وغض النظر عن الاف الانتحاريين الذين يعبرون الى العراق آنذاك الذين قاموا بأعمال ارهابية التي راح ضحيتها السكان المدنيين العراقيين في بيوتهم واسواقهم ومساجدهم سواء من السنة او الشيعة.
وبناء على ذلك نرى أن المدعوين ليس لهم أي مكانة اجتماعية أو قبول ديني في العراق. وبالطبع في ختام المؤتمر أعرب هؤلاء عن امتنانهم للحكومة السعودية باسم حكومة وشعب العراق في بيانهم الختامي. هذا العمل من قبل المجهولين الحاضرين في الاجتماع السعودي فقط وسع دائرة ردود الفعل وانتقادات الشعب العراقي والخبراء الإقليميين ضد هؤلاء والرياض. حاولت السعودية التأثير على المناخ السياسي العراقي لصالحها عشية حدثين سياسيين ودينيين مهمين وهما الانتخابات وشهر محرم. الا أن هذا المشروع الديني الجديدي الذي تبنيه السعودية وحاولت بناءه في السابق فشل وسيفشل بسبب القراءة الخاطئة للسعودية للمجتمع العراقي الرافض.