لا عليك سوى أن تعارض الفكر الوهابي للمملكة العربية السعودية لتكون محروماً من قضاء فريضة الحج وزيارة الشعائر المقدسة، وهذا الأمر لا ينطبق على الأفراد فقط وانما على الدول أيضاً ولآل سعود تاريخ طويل في منع اعطاء مواطني عدة دول تأشيرة دخول للمملكة لأداء الحج والعمرة وهذا الأمر حدث مع قطر وايران وسوريا وفلسطين ودول أخرى، وكان قرار سياسي محض علما أن هذه الشعيرة هي ركن أساسي من أركان الإسلام، ومن حق كل مسلم أن يتمكن من أداء الحج والعمرة بكل حرية واطمئنان، فالأماكن المقدسة ليست ملكا للدولة السعودية، وإنما لكل المسلمين وكافة الدول الإسلامية.
تسييس الحج بهذه الطريقة لم يتوقف حتى هذه اللحظة اذ في كل مرة يثبت آل سعود أنهم يتعمدون تسييس هذه الفريضة بما يتوافق مع اهوائهم السياسية، واصبح واضحا للقاصي والداني أن الرياض تستخدم الحج لأغراض سياسية، وهذا ما حصل مؤخرا مع الدولة السورية التي حرمتها السعودية للمرة الثامنة على التوالي من إرسال مواطنيها لأداء الحج، وعوضا عن ذلك تعطي الأحقية للمعارضة السورية المتشرذمة والتي لم يعد يعترف بها أحد سوى السعودية، ويبدو أن قرار المملكة توقيع اتفاقية قبل مدة مع لجنة الحج العليا السورية، بشأن ترتيبات شؤون الحجاج السوريين لعام 2020 مع السلطات السعودية، هدفها الأساسي الضغط على العاصمة دمشق للحصول على ميزات من الحكومة السورية قبل أن تصبح المعارضة السورية مجرد قصة عابرة في التاريخ السوري، وبالتالي هي محاولة أخيرة لانتهاز الفرصة قبل التطبيع الكامل مع دمشق، اذ أن الأمور كانت تمضي في هذا الاتجاه لولا قرار السعودية هذا والذي يبدو انه صدر بالرغم عنها وبتوصيات أمريكية.
الائتلاف المعارض بدوره أعلن عن توقيعه مع وزارة الحج والعمرة السعودية على العقد الناظم للحج السوري، للموسم المقبل، وعن بدء قبول طلبات لتشكيل مجموعات موسم حج العام الجاري، ليتم بذلك حرمان الراغبين من المواطنين المقيمين في سورية من أداء هذه الفريضة. وفي تعد على صلاحيات الحكومة السورية، أعلنت ما تسمى ”لجنة الحج العليا السورية” التابعة للائتلاف، والموجودة بتركيا، الأربعاء 25/12/2019 بدء قبول طلبات لتشكيل مجموعات موسم حج 1441هـ- 2020م. وأعلنت السعودية خلال الأعوام الثمانية الماضية من عمر الأزمة أن ”الائتلاف” المعارض هو الجهة المخولة إصدار تصاريح الحج لمن يرغب في تأدية هذه الفريضة من السوريين، في اعتداء واضح على السيادة الوطنية السورية.
لقد استغل النظام السعودي وجود المناسك المقدسة لفرض سياساته، سواء بالترويج ونشر الوهابية أو من خلال حرمان حجاج هذه الدولة أو تلك من أداء الفريضة إذا ما رفضت تلك الدولة الانصياع لما تريده الرياض، والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى، فالحجاج السوريون ممنوعون للعام الثامن على التوالي.
إن اعتبار الأماكن المقدسة الإسلامية في المملكة السعودية ملكية خاصة للدولة التي تقع هذه الأماكن في أراضيها هو أمر في منتهى الخطورة، وهو خروج تام عن الإسلام وتعاليمه وأهدافه. ولا أدري لم لا يحرك المسلمون في أنحاء الأرض ساكناً حول أمر خطير كهذا ويدعون ـ وهذا ضرورة ـ إلى أن توضع الأماكن المقدسة الإسلامية في المملكة السعودية تحت إشراف إسلامي ويكون لها وجودها الديني والسياسي المستقلين عن تحكم المدّعين بالإسلام وهو براء من مثل هذه التصرفات البعيدة عن روح الدين؟
التوقيع مع المعارضة من جديد للمرة الثامنة على التوالي يوحي بأن الأمور مع دمشق لم تعد إلى مجاريها، وأن هناك العديد من العقبات لاتزال قائمة بين البلدين، لا نعلم أسبابها المباشرة، وكل ما يمكن تحليله في هذا الاطار لا يتعدى كونه مجرد تكهنات حول كواليس أسباب ما جرى، لأن هذه الاتفاقية جاءت صادمة في وقت بدأت فيه بعض الدول العربية بإعادة علاقاتها مع الحكومة السورية، بينها البحرين والامارات.
بالمختصر؛ يبدو ان السعودية أرادت اعطاء نفس جديد للمعارضة المسلحة التي تتهاوى أمام ضربات الجيش السوري في ادلب وريفها، وربما هي محاولة من المملكة لتحذير سوريا من أن الرياض قادرة على قلب الطاولة في اي وقت ارادت، وربما هي محاولة سعودية اخيرة للحصول على بعض الميزات من القيادة السورية قبل التطبيع معها، ونحن نرجح الخيار الاخير لان المعارضة السورية اليوم بحكم المنتهية الصلاحية، فمالذي يمكن ان تقدمه هذه المعارضة للسعودية، بعد ان اصبحت ورقة محروقة عديمة الفائدة والتأثير.