* جمال حسن
كشفت صحيفة "الاقتصادية" الحكومية عن حجم ارتفاع كبير في حجم الدين العام السعودي بالنسبة للناتج المحلي، بنهاية الربع الأول من العام الجاري، والذي تجاوز الـ 15% على أساس سنوي ليبلغ 958.64 مليار ريال (255.55 مليار دولار)، مقارنة بنحو 938 مليار ريال نهاية العام الماضي"، ليشكل نحو 30% من الناتج المحلي.
لو راجعنا الأرقام الرسمية للمركز الوطني لإدارة الدين في المملكة أن هذا الرقم يشير الى تضاعف الديون الداخلية والخارجية المترتبة على أكبر بلد نفطي في العالم خلال العهد السلماني، بمقدار 21.7 مرات عما كان عليه نهاية العام 4014 والذي كان حوالي 11.8 مليار دولار.
وأرجع المراقبون للشأن السعودي هذا التدهور الكبير في اقتصاد أغنى بلد في العالم الى مسلسل السياسات الفاشلة لولي العهد محمد بن سلمان بدخوله استثمارات خاسرة، وحروب بالوكالة خاصة العدوان على اليمن الذي يكلف المملكة مبالغة باهضة دون تمكنه من تحقيق حتى أدنى هدف من وراء ذلك سوى قتل واصابة وتشريد الملايين من أبناء اليمن الشقيق.
ثم أضف الى ذلك الميزانيات الكبيرة في مجال التسلح غير المفيد (اسلحة خردة ملأت عنابر ومخازن المعسكرات هنا وهناك)، الى جانب إقامة المهرجانات الماجنة والفاسقة على طول العام من أجل الترويج للانحطاط الأخلاقي والخلقي في مجتمعنا المحافظ وهو ما نجح فيه نوعاً ما في ظل صمت مشايخ الدعاة ومؤسساتنا الدينية.
لم تتوقف مخططات رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية للمملكة الى هذا الحد، حتى ذهب مسرعاً لدفع الرشى وتطميع الحكومات الغربية وفي مقدمتها الحليف الاستراتيجي الأمريكي لمواصلة دعمه البقاء في السلطة وإعتلاء العرش، وتبييض صورته الدموية الإجرامية عبر وسائل إعلامها الضال والمضلل.
ويجمع خبراء الاقتصاد على أن كل الشعارات التي رفعها محمد بن سلمان بشأن الإصلاحات الاقتصادية تم العمل بعكسها؛ فقد برزت فشل خططه بوقف مشاريع البنى التحتية وكذا التضييق على المواطنين في أرزاقهم ورواتبهم وتصعيد فرض الضرائب الحكومية ووقف مخصصات المساعدات، ما يعني وجود خلل كبير جداً في اقتصاد المملكة منذ بداية العهد السلماني.
فبعد أن رفع الملك عبد الله زيادة رواتب الموظفين والعمال بنسبة 15%، جاء نجل أخيه ليضاعف الضريبة على هذه الشريحة دون المتوسط في البلاد الى أكثر من 15% مع رفع الدعوم الحكومية عن المواد الغذائية والأدوية والطاقة وغيرها من المواد الأساسية في قطاع الصحة والبناء والخدمات الاجتماعية.
وكشفت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية أن معدلات الفقر زادت في مملكة الذهب الأسود بشكل ملحوظ، حيث هناك أكثر من ثلاثة ملايين سعودي يعيشون بمبلغ 17 دولار فيما تجاوزت نسبة البطالة أكثر من 21%، وتراجع دخل أسرة الفرد بنحو 24%؛ وهناك حوالي مليوني سعودي عاجزون عن توفير مسكن بإمكانياتهم وهو ما تصفه التقارير الأجنبية سنوات الضياع للمملكة.
في خضم ذلك أعلن صندوق الاستثمارات العامة في السعودية قبل أيام، إتمام إجراءات الحصول على قرض بقيمة 17 مليار دولار أمريكي (فيما استقرض بقيمة 15 مليار دولار، مع 17 مؤسسة مالية دولية العام الماضي)، ما يعد هذا القرض الأكبر من نوعه من حيث الحجم والمدة في عدد المؤسسات المالية العالمية المشاركة فيه (25 مؤسسة مالية أوروبية وأمريكية وآسيوية وشرق أوسطية).
فقد أخذت الديون المترتبة على السعودية بلد النفط الأول عالمياً في الأرتفاع منذ بداية عهد سلمان ونجله، حيث بلغ حوالي 38 مليار دولار عام 2015، و84.4 مليار دولار عام 2016، و118.2 مليار دولار عام 2017، و 149.3 مليار دولار عام 2018، ثم لترتفع الى 180.8 مليار دولار عام 2019، والى 227.6 مليار دولار عام 2020، وأكثر من 250 مليار دولار عام 2021، لتصل في نهاية سبتمبر الماضي الى 259.3 مليار دولار- وفق احصائيات رسمية.
الى جانب ذلك كشفت تقارير مصرفية دولية ومنها البنك الدولي الى تراجع كبير في حجم الأصول الاحتياطية الأجنبية لدى السعودية خلال الفترة المذكورة من 732 مليار دولار خلال العام 2014 الى حوالي 460 مليار دولار حتى أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وفق بيانات رسمية صادمة لمؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) ما يعني تبخر 272 مليار دولار خلال هذه الفترة؛ الى أين ذهبت هذه الأموال؟!.
ويشهد الاقتصاد السعودي تدهورا متواصلا خلال السنوات الأخيرة للفشل الإداري لنظام المملكة، والخسائر المتزايدة التي ذكرنا منها آنفاً؛ وبدلاً من أن تفكر السلطة الحاكمة الفاشلة في إيجاد فرص عمل لطوابير الشباب السعودي العاطلين، تسعى جاهدة في إيجاد فرص عمل للأجانب، حيث أوجد "بن سلمان" أكثر من ثلاثة ملايين فرصة عمل جديدة للأمريكان وفق تصريحات الرئيس الأمريكي السابق ترامب؛ ولا نعرف كم فرصة جديدة أوجدت على عهد بايدن.
لكن المفاجأة كانت لدى النظام السعودي فبدلاً من السعي لإيجاد فرص عمل لملايين العاطلين عن العمل من أبناء البلد، يطل وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية أحمد بن سليمان الراجحي وبكل وقاحة الى حدّ الصفاقة تعلمها من سيده محمد بن سلمان، مخاطباً جمهور شبابنا العاطل عن العمل "لا مكان لكم في سوق العمل بالمملكة"!!.
وخلال مراسم تدشين برنامج «توطين» لتعزيز فاعلية الجهات الحكومية في زيادة معدلات التوظيف و..، بمشاركة وحضور ممثلي الجهات الحكومية الإشرافية في فندق الفورسيزن بالرياض؛ قال "وجدنا للأسف أن بعض أبنائنا وبناتنا يتخرجون من الجامعات بتخصصات لا يحتاجها سوق العمل"!!؛ عجباً وهل الذين تخصصاتهم حاجة ملحة للبلد غير عاطلين؟!.
دعونا نسأل الحكومة عن أسباب صمتها في كلا وزارات التعليم والعمل والصناعة وغيرها من الجهات المعنية في التخطيط لمستقبل البلاد، عن أسباب صمتها أمام وجود تخصصات جامعية لا تناسب سوق العمل لدينا؟، في الوقت الذي يتم تخرج عشرات آلاف الطلاب سنوياً في هذه التخصصات؟!.
أليس هذا اعتراف صريح من قبل السلطة الحاكمة بانها غير مهتمة بتاتاً بمستقبل العباد والبلاد، ويكشف عن مدى إنشغال المعنيين فيها بملئ جيوبهم من موارد البترول والسياحة الدينية دون التفكير بكيفية بناء البلد وإيجاد فرص العمل لشبابه بدلاً من اكتساح الأجانب للوظائف الحكومية والقطاع الخاص، ما يعد إستهتاراً حكومياً بالأجيال الصاعدة التي تدرس في الجامعات وتتخرج لتجلس في المنازل!!.
فقد كشفت دراسة حديثة، أجرتها مؤخراً الهيئة السعودية للتخصصات الصحية ونشرتها صحيفة "المدينة" الحكومية، أن عدد الأطباء السعوديين الباحثين عن عمل حالياً بالقطاعين الحكومي والخاص يقدَّر بحوالي 26 ألف طبيب فيما هناك 40 ألف طبيب أجنبي يشغلون فرص العمل هذه في المملكة وبرواتب عالية.
وعلى سبيل المثال لا حصراً فأن الطبيب الأجنبي في قطاع طب الأسنان يستلم راتباً بمقدار أكثر من بين 40 ألف الى 60 ألف ريال شهرياً، فيما راتب الطبيب السعودي يبدأ من 9200 ريال؛ وكذا رواتب سائر زملائهم في التخصصات الاخرى، ثم رواتب المهندسين من أبناء البلد لا تتفاوت كثيراً عن ذلك قياساً برواتب نظرائهم الأجانب، والفاصل الفاحش في الرواتب.. قصة تبكي أصحاب الضمائر الحية.