* جمال حسن
"دخول الحكام والأمراء للسوق والتجارة والفلاحة مضرّة عاجلة للرعايا وفساد للجباية ونقص للعمارة".. و"السلطان والأمراء لا يتركون غنيّاً في البلاد إلا وزاحموه في ماله وأملاكه، مستظلّين بحكم سلطاني جائر من صنعتهم" - من أقوال أبن خلدون.
يتفاقم الوضع الاقتصادي لمملكة البترول ويزاد سوءاً يوماً بعد آخر وسط صمت رسمي واعلامي مطبق، حيث تشير الأخبار الواردة عن تلقي المحاكم والدوائر التجارية بوزارة العدل 392 طلب إفلاس خلال العام 1442هـ، وقد شكلت الطلبات المسجلة في الرياض (233) والدمام (143) ما نسبته 96 % منها.
وجاء توزيع طلبات الإفلاس بحسب نوع المنشأة كالتالي: شركة مسجلة نحو 205 طلبات بنسبة 52 % وفرد 9 طلبات بنسبة 23 % وحكومية طلب واحد فقط بنسبة 0.3 % وصاحب مؤسسة 91 طلبًا تشكل 23.2 % وشركة غير مسجلة بالمملكة طلبان بنسبة 0.5 % وجمعية/مؤسسة أهلية 3 تشكل 0.8 %.
ثم قبل أيام كشفت مصادر موثوقة أن لجنة الإفلاس في السعودية تسلمت نحو 381 طلب تصفية وتسوية وإعادة تنظيم من شركات ومؤسسات وأفراد، خلال الفترة من شهر كانون الثاني/يناير حتى منتصف شهر آيار/مايو الماضيين، مشيرين الى أن الرقم في تزايد مستمر وسط صمت حكومي واعلامي مطبق وغير مسبوق.
ويرى القائمون على نظام الإفلاس في المملكة أنه ضمن أكبر الأنظمة في تاريخ السعودية، واستقى أبرز الممارسات الدولية لدى الدول المتقدمة التي تتوافق مع البيئة الاقتصادية والقضائية في السعودية في ضوء "رؤيتها 2030" وبرنامج التحول الوطني 2020، ما يشدد على مقولة أبن خلدون التي ذكرناها بداية المقال، أي استحواذ الأسرة الحاكمة على ممتلكات الشعب.
مما يثير الشكوك في هذا الأمر أن القائمين على السلطة خاصة خلال العهد السلماني توجهوا للإستثمار خارج بلاد الجزيرة بدلاً من العمل على رقي الوضع الاقتصادي الصادم التي تعيشها بلاد الذهب الأسود وأكبر مصدر للبترول في العالم وما تجنيه من مئات مليارات الدولارات سنوياً في هذا المجال، ناهيك عن عشرات مليارات الدولارات من السياحة الدينية.
السؤال هنا يطرح نفسه، الى أين تذهب كل هذه الأموال؟ وما أسباب الدفع نحو الاستثمار في خارج البلاد؟ وما المصلحة الوطنية في ذلك؟ خاصة وأن بعض الإستثمارات هي في شركات آيلة الى الإفلاس ايضاً، فتنهض من المال السعودي لتقف ناشطة مرة اخرى، فيما اقتصادنا نحو الحضيض.
على سبيل المثال، أن صندوق الاستثمارات العامة (أشبه بصندوق الاستثمار السيادي) والمرتبط بولي العهد محمد بن سلمان ويرأسه حاليا ياسر الرميان، يدير حالياً استثمارات تصل قيمتها الى أكثر من 250 مليار دولار وقد استثمر هذا الصندوق مليارات الدولارات في السوق الامريكية وخاصة في قطاع التكنولوجيا.
كما كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية تقريرا لمراسليها أندرو إنغلاند وأرشد مسعودي، عن الإسراف السعودي في المشتريات الخارجية وما أنفقته هيئة الاستثمار العامة على استثمارات خارجية في الوقت الذي يعاني فيه اقتصاد المملكة من أزمة، وانها تحاول عبر الاقتراض الخارجي الحفاظ على قيمة الريال مقابل الدولار.
ثم إعلان السجلات الأمريكية عن أكبر مراهنة سعودية على شركات تأثرت بازمات مالية حادة تصل الى الإفلاس، حيث استحوذت على 5.7% (500 مليون دولار) من شركة الترفيه الأمريكية “لايف نيشن”، واشترت 7.3 من شركة السياحة البحرية “كارنيفال”، واستثمرت في حوالي 20 شركة امريكية واوروبية مثل بي بي البريطانية ورويال داتش الهولندية وتوتال وبيونغ وسيتي غروب وديزني وفيسبوك، وشراء نادي نيوكاسل يونايتد بـ300 مليون جنيه استرليني.
وكذلك اقدمت الرياض على الاستثمار في شركة “فيشين فاند” للتكنولوجيا بذريعة استجلاب التقنية الى المملكة لكن سرعان ما تبين أن ذلك حبر على ورق وقد استفادت الشركة المذكورة من الاستثمارات السعودية في خلق 87.000 وظيفة في السنوات الأربع الماضية وأنشأت 20 شركة كلها خارج البلاد.
هذا دليل واضح على أن هناك انفصام بين الوضع المالي السعودي المحلي المتردي والإستثمارات الخارجية المستمرة، وأن هذه الإستثمارات الخارجية تعرقل بشكل كبير التعافي الاقتصادي السعودي بسبب المصادر المالية المحدودة- جون سفاكانكس، الخبير بشؤون الخليج بجامعة كامبريدج.
وكشفت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية قيمة استثمارات مؤسسة النقد السعودي (المصرف المركزي السعودي) في الولايات المتحدة بنحو 650 مليار دولار، وجزء كبير منها في سندات الخزانة الأمريكية والأوراق المالية؛ كما انها ضخت خلال الآونة الأخيرة مليارات الدولارات في قطاع التكنولوجيا في وادي سيليكون بكاليفورنيا بهدف تنويع مصادر الدخل للولاية الامريكية والحد من اعتمادها على صادرات النفط !!.
تزامناً مع كل هذا كتبت صحيفة "المونيتور" الأمريكية مقال لها بقلم الخبير الشهير "بروس ريدل"، ان الاستثمارات الأجنبية في السعودية سجلت انخفاضاً ملحوظاً بنسبة 80% (من 7 مليارات عام 2017 الى 4ر1 مليار دولار. مشيرة الى ان التدفقات الاستثمارية الأجنبية تسير في السعودية عكس الإصلاحات المزعومة لولي العهد محمد بن سلمان.
واعتبرت الصحيفة أن ذلك بسبب قرارت السلطة السعودية من سيء الى أسوأ منذ صعود سلمان بن عبدالعزيز آل سعود إلى العرش عام 2015 تعيين ابنه محمد بن سلمان ولياً للعهد، الى جانب المخاوف من الاحتجاز التعسفي كما حدث بقضية فندق "ريتز كارلتون" الرياض، وهي الأمور التي شجعت هروب رأس المال من المملكة.
وقد أظهرت أرقام أصدرتها إحدى مؤسسات الأمم المتحدة تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السعودية الى أدنى مستوياتها في 14 عاما وذلك لسبب الأداء الاقتصادي الضعيف أثنى المستثمرين عن ضخ الأموال رغم ما يسمى الإصلاحات الاقتصادية الجارية.
من جهته قال كاتب الرأي دومينيك دادلي في مجلة فوربس إن الاستثمار الخارجي في السعودية قد انهار العام الماضي، وإن الاقتصاد السعودي يخسر مقارنة مع الاقتصاديات التي تكسب حصصا كبيرة من كعكة الاستثمارات؛ فيما نسب تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية انخفاض الاستثمارات في السعودية إلى بيع المصالح التجارية والقروض السلبية داخل الشركات من الشركات المتعددة الجنسيات.
وانكمش الناتج المحلي الإجمالي السعودي بنسبة 4.1 بالمئة العام الماضي، مقابل نمو 0.3 بالمئة في 2019، وفق الهيئة العامة للإحصاء السعودي في تقريرها النهائي، مشيرة الى انكماش القطاعين النفطي بنسبة 8.5 بالمئة، وغير النفطي 0.8 بالمئة، العام الماضي.
ويتواصل هبوط الأصول الاحتياطي للبنك المركزي بنسبة 2% على أساس شهري، حيث هبطت خلال أبريل/نيسان الماضي بنسبة 1.8% على أساس شهري، الى 1652.8 مليار ريال (440.75 مليار دولار)، وهو أدنى مستوى لها في 10 سنوات.
هذا وانسحبت شركة بلاك روك الأميركية لإدارة الأصول وبروكفيلد آست مانجمنت الكندية من السباق، لشراء حصة في أنشطة خطوط الأنابيب لشركة النفط السعودية العملاقة أرامكو، ما دفع بالأخيرة الى خفض كبير في مستوى الانفاق وفق وكالة رويترز.