خلال الأيام القليلة الماضية شهدت السعودية ثلاث قمم على ثلاث مستويات "خليجية-عربية-اسلامية" ، كان قد دعا إليها سلمان بن عبد العزيز، وعلى الرغم من أن هذه القمم الثلاث تعقد في ظروف استثنائية تعيشها المنطقة إلا أن نتائج هذه القمم لم تكن استثنائية ولم تتماش مع تطلعات الشعوب العربية والاسلامية وانما تماشت مع تطلعات آل سعود الآنية التي لا تخدم اي بلد آخر، وإن كان أغلب الزعماء المسلمين والعرب لبوا نداء العاهل السعودي وقدموا إلى مكة إلا أنهم لم يوافقوا المملكة على الأهداف والبيانات التي خرجت عن اجتماعاتهم الطارئة والعادية.
عدم موافقة بعض الدول على البيان الختامي لاجتماع القمة العربية الطارئة يدل على أن البيان الختامي تمت كتابته سلفاً ولكن لا يمكن اعلانه بدون حضور زعماء الدول، وهذا يدل على أن السعودية تريد تمرير سياستها وتطلعاتها عبر هذه الاجتماعات وبحضور عدد كبير من الدول لتأمين غطاء دولي لأي مقرر يخرج من الاجتماع، إلا أن هذا الأسلوب يتعارض مع الأعراف الدبلوماسية والعلاقات بين الدول، وليس من حق أي دولة أن تتحدث باسم الجميع في حال لم توافق جميع الدول على البيان الختامي للاجتماع.
برز هذا الكلام في اعتراض العراق على البيان الختامي للقمة الاسلامية، حيث رفض العراق البيان الختامي للقمة وأعلن أنه لم يشارك في صياغته، فهو بيان دبلوماسي يراعي أهواء البلد المضيف، كما جرت العادة في ترداد ما لا يلزم.
الكويت أيضا لم تجاري السعودية في دعوتها إلى "استخدام كافة الوسائل لردع إيران"، و"اتخاذ إجراء حاسم لوقف الأنشطة التخريبية في المنطقة"، اذ دعا أمير الكويت صباح الأحمد الصباح إلى "التمسك بخيار الحوار لاحتواء الموقف وتجنيب منطقتنا ويلات حروب عانينا منها طويلاً"، وهذا ما وافقه عليه أغلب الدول العربية والخليجية والإسلامية الأخرى.
دول المنطقة برمتها تسعى للتهدئة حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه يسعى للتهدئة، فلماذا يريد بن سعود ان يأخذوا الأمور نحو الحرب ويعرضوا المنطقة لأزمة جديدة غير معلومة النتائج، خاصة وأن الحرب هذه المرة مع ايران وليس مع سوريا أو اليمن، نحن نتكلم عن دولة بإمكانها أن ترد بقوة على اي اعتداء ممكن أن تتعرض له نظرا للامكانيات الكبيرة التي بحوزتها على المستوى العسكري والسياسي، لذلك الدخول في حرب جديدة مع دولة مثل ايران سيسبب "كارثة" للجميع.
السعودية تعلم جيدا بأن ايران لديها علاقات جيدة مع الكثير من الدول العربية والاسلامية، واستطاعت الدبلوماسية الايرانية بالفعل تحقيق انجاز نوعي الفترة الماضية فيما يخص تخفيف حدة التوترات في المنطقة بدء حوار شامل لتجنيب الجميع مغبة الحرب وعدم الاعتداء على اي دول جارة، ووافق على هذا المبدأ العديد من دول المنطقة، وأظهر هذا الموضوع ثقل الدبلوماسية الايرانية لذلك أرادت السعودية أن تحصن نفسها أمام الدبلوماسية الايرانية وبدأت تدعو الدول إلى قمم طارئة لمواجهة ايران وليس للحوار معها، وشتان بين الدعوتين.
ضعف آل سعود تجلى في عقد هذه القمم الثلاثة في مكة، حيث استغلت هذه العائلة الرمزية الاسلامية لمكة لتبدأ خطاب عدائي من جوار الأماكن المقدسة تجاه دول اسلامية اخرى، وهي تراهن بذلك على حشد الجميع ضد ايران إلا أنها فشلت بهذا وستفشل بطبيعة الحال لأن "الحوار" هو الحل الأنسب لهذه المرحلة، لكن يبدو أن التبيعة للولايات المتحدة الأمريكية ستكلف شعوب المنطقة الكثير وستدفع الأمور نحو الهاوية مالم تقف السعودية لمرة واحدة فقط امام ابتزاز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصقور الادارة الأمريكية وعلى رأسهم جون بولتون الذي تعهد بالوقوف إلى جانب المملكة في خياراتها في حال لم تنجح القمم الثلاثة بتحقيق ما تصبوا اليه الادارة الأمريكية وأمركة المسلمين جميعا، ويبدو أن المملكة فشلت في تحريض الدول ضد ايران لأن هذا الخيار سيكلف الجميع الكثير وستبقى نتائجه عالقة إلى عقود طويلة من الزمن وسيبقى جرحا ينزف إلى ما شاء الله.
الأغرب من هذا لماذا لم تتحدث القمم الثلاثة عن نقل عاصمة اسرائيل إلى القدس وضم الجولان، ولماذا لم تتحدث عن الانتهاكات الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني وتضع حدا لها، أليس الشعب الفلسطيني عربيا مسلما من حقه عن يدافع عنه المجتمعون في مكة؟