هي معاناة كبيرة يعيشها سكان المهرة اليوم جراء الإجراءات الأمنية التعسفية التي تمارسها ما يسمونها بـ "قوات الاحتلال السعودي" في محافظتهم. فبعد الاتفاق الذي وقعه السعوديين مع مسؤولي المهرة والذي يقتضي بخروج قواتها من هناك وتسليم جميع المنافذ البحرية للقوات المحلية، ها هي مرة أخرى تعود وتستفزهم وتثير غضب سكان المحافظة الهادئة البعيدة عن مناطق الصراع في الغرب اليمني، حيث تصر على البقاء هناك رغم انتهاء المهلة التي حددها أهالي المحافظة للسعودية من أجل احترام السيادة الوطنية اليمنية وإنهاء وجود المليشيات ورفع القيود المفروضة على حركتهم. ويقول محللون يمنيون من محافظة المهرة أن السعودية تثبت يوماً بعد يوم أن أهدافها في المحافظة لا تتعلق ابداً في إرساء الأمن والاستقرار وأن أهدافها أبعد من هذا، وبعد كل ما جرى يتضح جلياً أن للسعودية أطماع سياسية واقتصادية وعسكرية كما هو الحال بالنسبة للإمارات.
كيف أثر وجود الاحتلال السعودي على الحياة في المهرة؟
يوم امس انتهت مهلة أهالي المهرة التي منحوها للسعودية لاخراج قواتها من المحافظة، لتخرج مظاهرات بالآلاف تطالبهم بتسليم ما وعدوا به من منشئات ومرافق عامة ومنافذ بحرية اشتاقوا الى العمل فيه بسبب الإجراءات التعسفية التي مارستها القوات السعودية عليهم وخصوصاً على الصيادين الذين منعتهم السعودية من القيام برحلات صيد لمسافات بعيدة حيث توجد كميات كبيرة من الأسماك بكل أنواعها بينما تقوم شركات أجنبية تلقى حماية من التحالف بجرف الشعب المرجانية والاصطياد عشوائيا وبشكل مدمر للثروة السمكية فضلا عن ذلك فإن غلاء الديزل وتضاعف أسعاره بفعل الحصار تسبب في انخفاض ملحوظ في عدد القوارب التي تخرج للصيد ولو لمسافات قريبة.
وتتزايد مشاكل الصيادين في المهرة كغيرهم من الصيادين في المحافظات الأخرى لكن معاناتهم غير مفهومة حسب قولهم وهم البعيدون عن أتون الصراع سوى أن الحصار المفروض على البلد قد شملهم. وفي هذا السياق يقول وكيل محافظة المهرة السابق الشيخ علي سالم الحريزي إن "مشاريع السعودية في المهرة خرق لسيادتنا لا نقبله"، مشددا على ضرورة "سحب القوات السعودية والإماراتية من المهرة". وأضاف إن عودة الاحتجاجات تأتي تماشيا مع دعوة لجنة الاعتصام إلى وقف تعليق الاعتصام الذي استمر شهرين، بعد تجاهل السعودية التي تواصل حشد قواتها العسكرية في المحافظة (التي تقع شرقي اليمن)، غير مبالية بمطالب المحتجين، مما يضطر أبناء المهرة لاستخدام كل الوسائل السلمية لمواجهة تجاهل السعودية والسلطة المحلية. وكشف أن سواحل المهرة اليوم كلها معسكرات سعودية من الدمخ إلى حوف، وهو ما يحرم أبناء المهرة من ساحل المحافظة بشكل كامل، كما حرموا من المطار ومن المناطق الكثيرة التي احتلتها القوات السعودية في المحافظة.
ويؤكد علي مبارك بن محامد، عضو اللجنة الإعلامية لاعتصام المهرة، أنه اتخذ قراراً بعد انتهاء المهلة بتعليق جميع الأعمال الإنشائية السعودية التي تقوم بها قرب منازل المدنيين.
ما الذي تريده السعودية من المهرة؟
تكتسب محافظة المهرة أهمية جيوسياسية كبيرة ومهمة للغاية، فهي لديها منفذين بحريين مع سلطنة عمان هما صيرفت وشحن، إضافة الى أنها أكبر ثاني محافظة يمنية من حيث المساحة بعد حضرموت، كما ولديها أطول شريط ساحلي يمني مطل على بحر العرب يقدر طوله بـ560 كيلومترا.
وفي هذا الشأن يقول محللون سعوديون مختصون في العلاقات الدولية أن خرق السعودية لاتفاق المهرة يعود إلى طموح السعودية في مد نفوذها على الجزء الشرقي لليمن وبالذات المحافظات التي تحيط بها، لضمان أمان حدودها وأمنها القومي، وإثبات وجودها وفرض سيطرتها وتثبيت قدمها على الأرض كما صنعت الإمارات في الجنوب. وبما انها "قائد التحالف" ولها سلطة عليا في بسط قوتها على مختلف المناطق، فإنها قبلت بالاتفاق مع أهالي المهرة رغم أن المسؤولين السعوديين غير مقتنعين به لكنهم اضطروا للتعاطي الإيجابي مع الحركة الاحتجاجية كنوع من امتصاص انفعال الشارع.
ويرى آخرون أنه هناك صراعا ناعما اشتد مؤخرا بين السعودية وسلطنة عمان لبسط نفوذهما على محافظة المهرة واحتواؤها كما ويرى بن سلمان في سلطنة عمان مستعمرة فارسية بسبب علاقاتها مع إيران.
ختاماً يمكننا القول إنه يوما بعد يوم، وواقعة بعد أخرى تتكشف حقيقة الأطماع السعودية في اليمن، خاصة من محافظة المهرة التي فاحت رائحتها مؤخرا منها وأظهرت رغبتها الجامحة في إنشاء منفذ بحري على بحر العرب لتوسيع خريطة نفوذها وخدمة مصالحها الحيوية الخاصة، ونؤكد أن نيران الغضب في المحافظة الشرقية المتصاعدة كفيلة اليوم بحرق كل الآمال السعودية والاماراتية وأدواتها في اليمن وذلك شرط استمرارها.