:
بقلم عبد الرحمن الهاشمي
شهد موسم حج هذا العام (1446 هـ) تغطية إعلامية مكثفة وإشادات واسعة من الإعلام السعودي وأبواقه وتوابعه الإقليمية، حيث تم التركيز على ما وٌصف بأنّه نجاح كبير في تنظيم الشعيرة، من حيث تسهيل الخدمات، وتوظيف التقنيات، وتوفير سبل الراحة لضيوف الرحمن. هذا الخطاب الإعلامي الرسمي، الذي يروّج لسردية النجاح دون هامش للنقد، يعكس مقاربة تضليلية تُغطي على جوانب أساسية للحج، وتقدم الوصاية "السعودية" على الحج وكأنها مندرجة ضمن عناصر السيادة الوطنية، وتروّج لوهم إنجاز يخدم النظام وصورة النظام في العالم الإسلامي.
ورغم أهمية الجوانب الخدمية والتنظيمية، فإن الاقتصار عليها وجعلها معيارا لنجاح موسم الحج بعيدا عن الأبعاد الكبرى للحج يُفرغه من مقاصده، ويحوّله إلى مناسبة دينية استعراضية تسوّق للنظام السياسي لا للدين. هذا التناول الإعلامي المسطّح يُعفي السلطة من أي نقد ويُكرّس صورة أحادية تُقصي الرأي الآخر -إسلاميا- وتُغلق باب النقاش حول القضايا الجوهرية.
يعتمد التضليل الإعلامي والسياسي على تقديم وصاية آل سعود على الحج بأنها مسألة سيادية ومنحة إلهية وتشريفا للمملكة التي يلقّب القاعد على عرشها ب "خادم الحرمين الشريفين"، والحقيقة أنّ إدارة الحج ليست شأنا سياديا لدولة واحدة ولن يكون أبداً، بل هي في الأصل مسؤولية مشتركة تمثل الأمة كلها، ويجب أن تخضع لإشراف جماعي من منظمة التعاون الإسلامي، حتى وإن تخلت عنها ووضعتها في خانة القضايا المسكوت عنها. فالاستفراد السعودي بهذه الشعيرة، واحتكار قرارها، يطرح علامات استفهام شرعية وسياسية على الأمة وعلماءها، خصوصا في ظل توجهات نظام يقوم على تكييف الحج مع توجهه السياسي وربطه باستراتيجياته الإقليمية.
من القضايا التي تجاهلها الإعلام السعودي، ارتفاع رسوم الحج بشكل فاحش، حتى باتت "الاستطاعة" حكرا على الميسورين، ما يُقصي الفقراء ويحول الفريضة إلى امتياز طبقي. هذه الرسوم غير العادلة تتناقض مع مبدأ المساواة الذي يمثل جوهر الحج، وتُظهر كيف تحوّلت الشعيرة إلى أحد أهم مصادر الدخل القومي على حساب حق مستضعفي الأمة في أداء فريضة الحج. ولنتصور حجّا يخلو من المستضعفين وهم ملح الأرض؟!
لا يمكن التعامل مع الحج وكأنه معطى تقني أو مناسبة سياحية فاخرة. الفريضة، في أصلها، موقف تربوي وروحي وسياسي، تُجسّد فيها وحدة الأمة، وتُعبّر عن ضميرها الجمعي. لكن هذا البُعد أُقصي بشكل متعمّد، واختفت معاني البراءة من الظالمين، والتضامن مع المظلومين، وعلى رأسهم أهل غزة الذين يُبادون يوميا دون أن يُذكروا في خطب منى الرسمية إلا على سبيل الدعاء بأن يتولى الله أمرهم!
وتزداد الوصاية على الحج فداحة في ظل توجّه النظام السعودي نحو التطبيع العلني مع كيان الاحتلال، وتوثيق التعاون الأمني والتقني معه، في خطوات تُمهّد للالتحاق باتفاقات أبراهام. كيف يمكن لمن يعقد التحالفات مع قتلة الأطفال في فلسطين أن يدّعي تمثيل الأمة في شعيرتها الكبرى؟ وكيف يُمكن الوثوق بنزاهة إدارة حج تُدار بأجهزة أمنية ترتبط بجهات أجنبية معادية في مقدمتها (اسرائيل).
إنّ الآية الكريمة ﴿وليشهدوا منافع لهم﴾ [الحج: 28]، كما فسرها بعض المفسرين تؤكد أن المنافع لا تنحصر في الجوانب الأخروية، بل تشمل منافع سياسية، اجتماعية، واقتصادية تتصل بواقع المسلمين، وهو ما لا نجده مع الوصاية السعودية التي تفرض دليلا صارما في الحج وتسخّر أجهزتها الأمنية لفرضه على الحجاج والتنكيل بمن لا ينضبط له.
لقد بات النجاح – كما يُقدّمه الإعلام السعودي – أداة من أدوات الشرعية السياسية، حيث يُسوّق الإنجاز اللوجستي كدليل على الكفاءة والحكمة، بينما هو في الحقيقة حجاب يغطي فشلا أعمق في احترام كرامة الإنسان، والحفاظ على قداسة المكان، وتحقيق مقاصد الشرع. إنها آلية من آليات الأنظمة الاستبدادية التي تُصنِّع وهم النجاح لتبرير استمرار القبضة الأمنية. وفي هذا السياق وردت التقارير التي تحدّثت عن اعتقال حجاج من دول مختلفة بسبب مواقفهم السياسية أو خلفياتهم العقائدية. فهل تحوّل الحج إلى فخ أمني؟ وهل بات على المسلم أن يخشى أداء فريضة ركنٍ من أركان دينه؟ وهذه الممارسات لا تسيء فقط للحج، بل تهدم أسسه الشرعية وتجرده من عامل الأمن والأمان الذي افترضه الله تعالى.
إن الإعلام السعودي، بسرديته المضللّة وتوابعه وملحقاته الواسعة التي تروّج لها دون نقاش، لا يخدم إلا مشروع التلميع الداخلي والدولي، بينما يسكت عن الانتهاكات ويبرر التجاوزات، إعلام غابت عنه لغة الأمة، ومصالحها، وكرامتها، لصالح إجراءات لوجستية تقيس النجاح بعدد الكاميرات والمسارات الذكية لا بحقيقة الشعيرة وروحها ومقاصدها وتحقق منافعها للمسلمين كافة.
ما نحتاجه ليس عرضا لإنجازات مصطنعة، بل مراجعة جادة لإعادة الاعتبار للحج كفريضة جامعة، تُدار بشفافية وتَشارك، ويُعاد فيها القرار إلى الأمة، لا إلى سلطة أحادية توظّفها لأجنداتها. إن أي إدارة تستبعد الشعوب وتقصي صوتها، وتغفل عن المظالم، وتُطبّع مع العدو، لا تستحق أن تتفرّد بشؤون الحرمين الشريفين.
إننا ندعو بوضوح إلى إعادة فتح النقاش حول إدارة الحج ووضع المدينتين المقدستين؛ مكة المشرّفة والمدينة المنوّرة؛ - خاصة بعد فرض الصمت على حجاج بيت الله الحرام وإخراس منابر الحرمين الشريقين أمام الإبادة الجارية في غزة وما تتعرض له القضية الفلسطينية من مخاطر التصفية بل وما يتهدد المنطقة برمتها عبر مشروع الشرق الأوسط الجديد، بعد التحول الخطير في سوريا- والانطلاق من هذا النقاش العام نحو مطلب ملح للأمة بإشراف إسلامي مشترك، يعيد للشعيرة قدسيتها بل يعيدها للدين نفسه بعد أن سُلبت منه، وللأمة وحدتها على تعدد مذاهبها، ويقطع دابر توظيف الحج في خدمة النظام أي نظام على حساب مصالح المسلمين وحريتهم الدينية.
إنما ينجح المسلمون في حجهم عندما يرتفع لهم صوتٌ وموقفٌ من أعداء الأمة، ويكون بعضهم أولياء لبعض، ينصر بعضهم بعضا مصداقا لقول الرسول الكريم (ص): المسلمون يد على من سواهم.