طلال حايل
على روؤس الأشهاد؛ ومن أطهر بقع الأرض عند آل سعود؛ أعلنها محمد بن سلمان جهارًا نهارًا؛ لا إسلام بعد اليوم على أرض النبوة ولا مسلمين، لا حياءٌ ولا احتشام، أرض بات كلَّ ما بها وكل من عليها و كلُّ شيءٍ فيها مُباح، هذا ما أراد ابن سلمان إظهاره للعالم من عاصمة آل سعود الأزلية ومنطلق حكمهم ودعوتهم الوهابية الأصولية.
مسابقةٌ لسيارات "الفورملا إي" اختار بن سلمان أن تكون حلبتها في مدينة "الدرعية التاريخية" التي ما زال آل سعود يعتبرونها عاصمتهم وهي المكان الذي انعقدت فيها اتفاقية الشراكة التاريخية والتي ما تزال نتائجها مستمرة حتى الآن بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود.
مصادر مُطلعة داخل أروقة الحكم في المملكة أخبرتنا أنّ اختيار بن سلمان لمدينة الدرعية لم يكن من باب المصادفة، إنّما تمّ اختيار هذه المدينة لتوجيه رسائل عدّة للعالم، أبرزها أنّ الأرض التي أخرجت تنظيم القاعدة الذي هاجم الأمريكيين في عقر دارهم بدأت تتغير، وأنّ أرض الميعاد لبني سعود غيّرت من نهجها وبدأت تتحول إلى "لاس فيغاس" الجزيرة العربية، خصوصًا مع وجود مغنين من دول العالم جميعهم تغنّوا "بمخلص العالم" محمد بن سلمان وانجازاته التي كان آخرها قتل الصحفي السعودي جمال الخاشقجي.
فمن الموسيقي الفرنسي "ديفيد غيتا" مرورًا بالمغني عمرو دياب وإنريكي إغليزياس وجاسون ديرولو وصولًا إلى فرقة "وان ريبابليك" الغنائية الأميركية، جميعهم غنّوا لبن سلمان ولآل سعود كان أقبحها ربما " "Saudia I Love You التي قدمها الفرنسي غيتا، محاولًا التأكيد من خلال كلاماته أن يقول للعالم أنّ بن سلمان هو رجل السلام، وأنّ آل سعود بريئون من دماء الملايين الأبرياء الذي ماتوا نتيجة السياسات السعودية كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب.
تتعدد الرسائل التي يُريد بن سلمان توجيهها للعالم ومن أهم هذه الرسائل هو ما يريد قوله للأمريكين عمومًا، فبحسب آخر استطلاعات للرأي أجراه "معهد جلوب" الأمريكي اعتبر أكثر من 60% من الأمريكيين أنّ بن سلمان ومملكته لا يجب أن يكونوا أصدقاءً للولايات المتحدة الأمريكية، وهنا يريد بن سلمان التأكيد للأمريكيين أنّ مملكته تسير على طريق "العلمنة" وأنّه لن يكون كما سبقه من ملوك، وأنّه جديرٌ بثقة الأمريكيين ويطلب مساعدتهم لإخراج مملكته من "الإسلام المُتشدد".
رسالةٌ أخرى وأكثر أهمية ربما أراد بن سلمان توجيهها مفادها أنّه وعلى الرغم من ارتكابه لجريمة قتل الخاشقجي؛ إلّا أنّ ذلك كان ضروريًّا لإخراج الجزيرة العربية قاطبةً من الإسلام المتشدد، وتحمل هذه الرسالة بالذات وجّهًا آخر، ففي طيّاتها هناك تهديدٌ مُبطن فإمّا أن تتناسوا جريمة الخاشقجي وأكمل معكم لعب دور المصلح لإبعاد الجزيرة العربية عن الإسلام، وإمّا أن تواصلوا ملاحقتي وعندها سألجئ لتقوية الإسلام المُتطرف وأعيدُ إنتاج القاعدة التي ستتولى بدورها مهاجمتكم أينما كنتم.
والرسالة الأبرز ربما والتي ترافق تحويل "الدرعية" إلى "لاس فيغاس" هي الحديث عن اللقاء المُرتقب بين بن سلمان ونتنياهو، وترتبط هذه الرسالة بما سبقها، ومفادها أنّ بن سلمان وحده القادر على تنفيذ "صفقة القرن"، وأنّ أيّ مساسٍ به بعد جريمة الخاشقجي سيُعرض هذه الصفقة إلى خطر الموت، فما من أحد قادر –على الأقل في الوقت الراهن- على تنفيذ هذه الصفقة كما يُريدها ترامب وكوشنر إلّا بن سلمان.
أما داخليًّا، حمل هذا السباق المُقام في "الردعية" رسائل داخلية وخصوصًا لفئة المُتدينين أو رجال الدين الوهابيين على نحوٍ أدق، حيث اعتمدت السعودية ومنذ نشوئها على حفظ نوعٍ من التوازن بين سلطة آل سعود "السياسية" وسلطة علماء الوهابية على المجتمع فيما يخصُّ تقاليده ، وكان توازن القوى بينهما قد بني على اتفاق ضمني لتقاسم السلطة، إذ يحكم آل سعود من جهة، ومن جهةٍ أخرى يحدد العلماء التقاليد الدينية ويتحكمون في المجتمع على هواهم.
وتؤكد هذه الرسالة بالذات على أنّ كل من يفكر بالخروج على حكم بن سلمان سيتم إلحاقه بزملائه من المشايخ أو ممن باتوا يُعرفون بالـ "الصحوة"، فبن سلمان يعرف أنّ "شيوخ الصحوة" كالشيخ سلمان العودة مثلًا تسري المعارضة في دمائهم بالفعل، إذ يمتلكون خطابًا سياسيًا يمكنهم من حشد أبناء الجزيرة العربية، وبالإضافة لذلك يمتلك أغلبهم دافعًا قويًّا لمعارضة سياسات بن سلمان.
وأخيرًا يمكن أن نستنتج أنّ بن سلمان يُريد تحويل مجتمع الجزيرة العربية إلى مجتمعٍ ليبرالي يبتعدُ يومًا بعد آخر عن روح الإسلام ليُخرج في نهاية المطاف مجتمعًا مُدجنًا يسير خلف أهواء بن سلمان وسياسات مشغليه الأمريكيين.