كل ذنبه أنه كتب تغريدة دعا الله فيها أن يؤلف القلوب في الخليج دون أن يتصور لحظة واحدة أنها ستتحول في عرف النيابة العامة في بلاد الحرمين تهمة تستوجب القتل تعزيراً، ذلك ما حصل مع الداعية الأكاديمي السعودي الدكتور سلمان العودة، فبعد عام كاملٍ من اعتقال تعسفي وحرمان كاملٍ لحقوقه القانونية وبعيداً عن أعين الجميع ودون محامين أو شهود وحتى مراقبين ووسط غياب أدنى شروط المحاكمات العادلة والنزيهة بدأت المحكمة الجزائية المتخصصة محاكمة سرية للدكتور العودة موجهة له 37 تهمة.
يقول حساب معتقلو الرأي في المملكة، أنها تتعلق بالإرهاب وان من بينها الافساد في الأرض والسعي لزعزعة بناء الوطن، والدعوة الى التغيير في الحكومة والتحريض على الزج المملكة في الثورات الداخلية وعقد اللقاءات والمؤتمرات داخل وخارج المملكة لتحقيق أجندة تنظيم الإخوان الإرهابي ضد الوطن وحكامه. والدعوة للخلافة في الوطن العربي وتبنيه ذلك بإشرافه على (ملتقى النهضة) يجمع الشباب كنواة لقلب الأنظمة العربية وانعقاده عدة مرات في عدة دول بحضور مفكرين ومثقفين وإلقائه محاضرات محرضة. دعوته وتحريضه للزج بالمملكة في الثورات الداخلية ودعم الثورات في البلاد العربية من خلال ترويجه لمقاطع تدعم الثورات ونقل صورة عما تعانيه الشعوب واستثماره الوقت في التركيز على جوانب القصور في الشأن الداخلي وإظهار المظالم للسجناء وحرية الرأي. الانضمام لتجمعات واتحادات علمية دينية مخالفة لمنهج كبار العلماء المعتبرين وتقوم على أسس تهدف لزعزعة الأمن في البلاد والوطن العربي ودعم الثورات والانشقاقات والصمود ضد الحكومات والانضواء تحت قيادة أحد المصنفين على قائمة الإرهاب (يوسف القرضاوي) وتوليه منصب الأمين المساعد في الاتحاد. تأليب الرأي العام وإثارة الفتنة وتأجيج المجتمع وذوي السجناء في قضايا أمنية بالمطالبة بإخراج السجناء على منصات إعلامية.
تهم يراها ناشطون حقوقيون فضفاضة ولا يمكن ضبتها قانونياً متهمين السلطات السعودية للعبث بمصطلح الإرهاب الذي تحول على حد قولهم الى تهمة من لا تهمة له. وأياً تكن نتيجة المحاكمة السرية التي يخضع لها الشيخ العودة، فلن المطالبة بإعدامه دون أن تضع أي اعتبارٍ لمكانته العلمية وجماهريته الواسعة ولكونه أحد أبرز أسواط الاعتدال داخل المدرسة السلفية الإصلاحية، تعد سابقة حتى بمقاييس الحقبة ما بعد صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، كما وتشير الى سعي السلطات ليس فقط الى اسكات أي صوت مخالف بل حتى لترهيب من اختاروا الصمت إزاء موجة التغييرات التي طالت المملكة في الأشهر الأخيرة، حيث ترى أصواتاً سعودية أن التهمة الحقيقية للعودة هي الصمت عن مديح ولاة الأمر والنأي بنفسه عن تأييد سياسات سلطات بلاده إزاء الأزمة الخليجية، فضلاً عن أنها محاكمة بأثر الرجعي على دعوته لاحترام حقوق الانسان في المملكة.
ويقول محللون سعوديون أنه هناك سببين رئيسيين أعطيا بن سلمان والنظام الحاكم القدرة على التطاول والجرأة على اصدار حكم بالإعدام بحق الداعية العودة وهما:
أولاً-سكوت الناس عن الظلم الذي وقع على الشيخ الشيعي نمر باقر النمر في 15 تشرين الأول/أكتوبر 2014، بعد ادنته بتهم من بينها "الخروج على إمام المملكة والحاكم فيها؛ وإشاعة الفوضى وإسقاط الدولة"، وغيرها من تهم التي تشبه بأغلبيتها تهم الداعية العودة، مما أدى الى ان يتجرأ النظام على اعتقال المشايخ السنة ومن ضمنهم امام الحرم المكي، الشيخ صالح آل طالب، وذلك بعد خطبة له ألقاها الشيخ عن المنكرات، ووجوب إنكارها على فاعلها.
ثانياً-ويعد من الأسباب الرئيسية أيضاً وهو خوف الناس والرعب الذي يعيشونه جراء اعتقال بن سلمان للمشايخ السنة، حيث كان من المنتظر أن يثور الشعب السعودي على اعتقال دعاتهم، خاصة الدور الذي يلعبه هؤلاء في الداخل السعودي والشعبية الكبيرة التي يحظون بها ونفوذهم الكبير في أروقت النظام الحاكم. وهنا يرى سيمون هندرسون، مدير برنامج سياسة الخليج والطاقة في معهد واشنطن، أن "بن سلمان يسعى من خلال الاعتقالات الى خلق مملكة الخوف ليثبت أركان حكمه".
ختاماً، ان المحاكمة السرية للداعية سلمان العودة، والمطالبة بإعدامه تلقي بظلال ثقيلة على مصير مئات الدعاة والعلماء والناشطين الذين تغص بهم السجون السعودية اليوم، لاسيما في ظل تسريبات عن تعرض العديد منهم الى انتهاكات خطيرة تشمل التعذيب اما لإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبونها أو التخلي عن مواقفهم ودفعهم للاحتفاء العلني والترويج للعهد الجديد في بلاد الحرمين، وأمام هذا الذي يحدث اليوم في السعودية يبقى السؤال الذي بات يحتاج الى إجابة سريعة يطرح نفسه: متى يستيقظ الشعب السعودي من سباته ويصحى على ما يفعله أميرهم الحقود الذي جعل من المملكة "مملكة الخوف" بعد أن كانت "مملكة الخير والسلام"؟!