بقلم: فيصل التويجري
مظاهرات شعبية كبيرة تعصف مدن الجنوب والشرق اليمني، وذلك منذ التدخل السعودي الاماراتي في اليمن الذي حول أفقر دولة في شبه الجزيرة العربية الى أسوء مأساة إنسانية في العالم. هذه الاحتجاجات التي تتحرك مثل كرة ثلج كبرى جاءت بمثابة صرخة شعبية غاضبة شملت بشكل رئيسي مدن عدن والضالع ولحج وحضرموت التي هدد محافظوها بوقف شحنات النفط اذا ما لم يتم الاستجابة لمطالب المتظاهرين. ويعد القاسم المشترك الأكبر في هذه الاحتجاجات تمثل في قيام المتظاهرين بحرق أو إزالة صور قادة التحالف السعودي الاماراتي فيما عد رفضاً صارخاً لتداعيات أسوء تدخل عسكري في تاريخ المنطقة الحديث.
وبنظر اليمنيين، فقد أفضى هذا التدخل الى تحويل اليمن من دولة شبه فاشلة الى كيان سياسي مهترئ يمضي بسرعة نحو التمزق الجغرافي. فالتحالف السعودي الاماراتي عجز حتى الآن عن تحقيق أي تقدم استراتيجي على الجبهات الرئيسية ضد قوات الحوثي والجيش اليمني. لكن في المقابل دمر هذا التحالف الجزء الأكبر من البنية الأساسية اليمنية والاقتصاد المحلي الذي يشهد انهياراً غير مسبوق لقيمة الريال. ويأتي ذلك وسط معاناة أكثر من 8 ملايين يمني من المجاعة وأكثر من 80 في المئة من السكان من الفقر والملايين من الكوليرا.
أكثر من هذا وصلت تجاوزات التحالف السعودي الاماراتي، حسب منتقديه، الى حد التورط في جرائم حرب واغتيال ناشطين سياسيين وتشييد سجون سرية وتكريس دعاوى الانفصال ومحاولة الهيمنة على مناطق استراتيجية واسعة من السواحل اليمنية، وتشكيل ميليشيات تعمل خارج اطار القانون، بل وفي دعم ميلشيات متهمة بالإرهاب، في هذا السياق، نشرت وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية تحقيقاً يوم الاثنين الماضي، تطرقت فيه بالتفصيل لاتفاقيات سرية بين التحالف السعودي وتنظيم القاعدة في اليمن، وأشارت الوكالة أن هذه الاتفاقيات جرت كلها بتخطيط وتنسيق أمريكا. وكشف التقرير أيضاً معلومات حول الاتفاقيات السرية التي أجرتها السعودية التي تقود التحالف مع تنظيم القاعدة في اليمن، لافتاً إلى أن التحالف "دفع أموالاً لتنظيم القاعدة باليمن مقابل انسحاب مقاتليه".
وفي هذا السياق قال المكتب السياسي للحراك الثوري الجنوبي جعل الشعار الأبرز لهذه الاحتجاجات "لا تحالف بعد اليوم"، معتبراً التحالف السعودي الاماراتي احتلالاً صريحاً للدولة اليمنية، وكما قال الحراك في بيان له ان هذه الاحتجاجات تشكل الثورة الثالثة في التاريخ اليمني، داعياً الى عدم السماح للقوى التابعة لما وصفه بـ "الاحتلال الجديد" بموقف موجة هذه الانتفاضة، وأشار إلى أن هذه الثورة المباركة انطلقت بعد أن تجرع شعبنا خلال الأعوام الماضية أبشع جرائم التجويع والحصار ومن تدمير ممنهجٍ للبنى التحتية، وتعددت وتنوعت وسائل التعذيب والتنكيل التي أستخدمها تحالف الاحتلال بلغ حد جرائم حرب وهذا ما أكدته التقارير الدولية وفي مقدمتها تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة وتقارير منظمة الهيومن رايتس وتش المعنية بحقوق الإنسان. واتهم البيان التحالف المزعوم باستخدام الشرعية ذريعة وجسر عبور للهيمنة والسيطرة على الممرات البحرية والبرية والجوية الجنوبية مستغلا بعض المندفعين عن طيب نية وبعض المرتزقة من أبناء الجنوب متوهماً بأنه بتلك التصرفات والوسائل وعبر أدواته سيتمكن من تركيع شعب الجنوب الذي عجز عن تركيعه الأنجليز ومن بعده حكومات صنعاء".
ويأتي هذا التصعيد الشعبي قبيل المفاوضات المرتقبة بين حكومة هادي عبدربه منصور المنتهية ولايته وجماعة الحوثي في جنيف برعاية الأمم المتحدة. لكن المفارقة في هذا الأمر تتمثل في أن جدول أعمال هذه المفاوضات لن يتضمن سبل انتشال المواطن اليمني من وضعه المعيشي الكارثي بالمعايير الدولية، وهذا التجاهل قد يعني بقاء الوضع العام في اليمن على صفيح يزداد سخونة كل ساعة سياسياً واقتصادياً وانسانياً.
ختاماً، يمكننا القول إن نيران الغضب الجنوبي المتصاعدة كفيلة اليوم بحرق كل الآمال السعودية والاماراتية وادواتها في اليمن وذلك شرط استمرارها، فالمحمدين اليوم اللذان لا يزالان يلتزمان الصمت حول ما يجري في الجنوب يحاولان عبر أدواتهما الى اختراق الغضب الشعبي وتحريف مساره، فالغضب الجنوبي الذي يقترب اليوم من السيطرة على قصر المعاشيق مقر الرئيس هادي المنتهية ولايته وحكومته الفاسدة، سيخترق جدران السجون الإماراتية-السعودية السرية المغلقة وسيكسر قيود الأسرى والمعتقلين وسينهي حقبة الإجرام السعودي-الإماراتي بحق أبناء الجنوب في عدن والمكلا وابين ولحج وشبوة واليمن أجمع.