لا يزال يخيم رعب الرد الايراني على جريمة اغتيال قائد فيلق القدس سليماني، على المنطقة والعالم برمته، وهناك تخبط واضح في ردود الافعال داخل الادارة الامريكية، ومن شدة الخوف من الرد الايراني تصدر السلطات الأمريكية عدة تصريحات متناقضة خلال ساعات قليلة بعضها يتجه نحو تأزيم الأوضاع والبعض الآخر يحاول امتصاص غضب الايرانيين، وبين هذا وذاك نجد حكام الخليج الأكثر قلقاً مما سيجري في القادم من الأيام، لأنهم يدركون أن الرد الايراني سيؤثر على مصالحهم بشكل أو بأخر وما يقلقهم أكثر هو عدم اكتراث الرئيس الامريكي دونالد ترامب بهم، إذ لم يشر في ايٍ من تغريداته لهؤلاء الحكام أو أي شيء يوحي بأنه مستعد للدفاع عنهم بل على العكس ربما سيكون سعيد إذا ما استهدفت ايران نقاط حساسة في منطقة الخليج بشرط ألا تمس هذه الضربات بجنوده او قواعد الولايات المتحدة الامريكية العسكرية المنتشرة في الخليج بشكل مباشر.
أمريكا نفذت العملية وتنتظر في الوقت نفسه أن يتحمل حلفائها في الخليج لاسيما آل سعود وآل زايد النتيجة، وبهذا يشعر ترامب بالرضا تجاه ما ارتكبه، فهو بهذا يستطيع أن يقول للمواطنين الامريكيين قبيل الانتخابات أنه استطاع وضع حد لنفوذ ايران دون ان تتاثر مصالح الولايات المتحدة الامريكية في منطقة الشرق الاوسط، إلا أن أحلام ترامب واهية لأن جميع الأخبار القادمة من ايران ومن قادتها تؤكد بأن الرد سيكون مباشر ضد مصالح الولايات المتحدة الامريكية، وأسوء هذه الردود سيشكل كابوسا للولايات المتحدة الامريكية.
الأمر الثاني في حال تحقق حلم ترامب فإنه بإمكانه أن يبتز آل سعود وآل زايد من جديد ويحصل على مزيد من الأموال مقابل الحماية وهذه ستكون نقطة قوة له في الانتخابات القريبة المقبلة.
القلق الخليجي
اغتيال الجنرال سليماني وبهذه الطريقة سيقلب الموازين لا محالة في المنطقة، والدول الخليجية أدركت خطورة ما اقترفته الولايات المتحدة الامريكية، ولأن السعودية اكتوت من نار واشنطن في المرة السابقة عندما استهدف انصار الله شركة آرامكو وأوقفوا ضخ النفط لعدة ايام دون ان تقدم الولايات المتحدة الامريكية على اي رد فعل لصالح السعودية، نتيجة ادراكها لهذا الامر ارسل ولي العهد السعودي شقيقه نائب وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان بعد الاغتيال على الفور إلى بريطانيا و الولايات المتحدة الامريكية، ليحصل على معلومات من واشنطن حول خطط الولايات المتحدة للرد في حال نفذت ايران انتقامها الموعود، بمعنى ماذا سيكون مصير السعودية في هذه المعادلة؟.
لا نعتقد بأن خالد بن سلمان حصل على اجابة واضحة من الادراة الامريكية لأن الادراة الأمريكية نفسها متخبطة ولا تدري ماذا تفعل، خاصة وان الكونغرس يعارض اي حرب في الوقت الحالي، إلا أن الادارة ذاتها لا تبخل على نائب وزير الدفاع السعودية بطلب المال مقابل الحماية حتى لو لم يحصل شيء لأن ترامب المهووس بالمال يستغل اي حدث لابتزاز المملكة والحصول على اموالها وهذا لم يعد سرا لأحد.
وخلال يومي السبت والأحد الماضيين، نشر ترامب ثلاث تغريدات متفرقة على "تويتر"، أرسل فيها تهديدات قوية باتجاه إيران، لكن اللافت في هذه التهديدات أنه لم يُشر في أي منها إلى حلفائه الخليجيين، كما لم يُشر مطلقا إلى المصالح الأمريكية، وإنما اكتفى بالإشارة إلى "أي مواطن أمريكي أو منشأة أمريكية"، أينما كانت.
ويبدو أن الرسائل الأمريكية تحمل مضمونا بالغ الخطورة بالنسبة لدول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات اللتين تعرضتا لهجمات سابقا من قبل الحوثيين في اليمن، وهما تخشيان اليوم أن تكونا ساحة الانتقام الإيراني من الهجوم الأمريكي، ولذلك سارع الوزير الإماراتي أنور قرقاش إلى الدعوة للتهدئة.
أما الرسائل الضمنية بالغة الأهمية التي حملتها تهديدات ترامب الثلاثة، فهي أن الأمريكيين ومنشآتهم فقط هم الخط الأحمر، وأي اعتداءات عليهم ستستوجب الرد الأمريكي العسكري، فيما تجنب ترامب ذكر أي من حلفائه الخليجيين، وجاء تجنب ذكرهم في التهديدات الثلاثة المنفصلة بما يعني أنه قصد استثناءهم، وقصد إبلاغ الإيرانيين بأن الانتقام من الأهداف الخليجية يمكن أن يكون مقبولا، ولن ترد عليه الولايات المتحدة بأي ضربات عسكرية.
على المستوى الاقتصادي
أيضا آل سعود هم ابرز الخاسرين من عملية اغتيال اللواء سليماني على المستوى الاقتصادي، حيث سجلت أسهم أرامكو السعودية أدنى مستوياتها منذ بدء تداولها في 11 ديسمبر/كانون الأول الماضي، في حين قفزت تكلفة التأمين على ديون السعودية من خطر التخلف عن السداد أكثر من السُدس منذ اغتيال اللواء قاسم سليماني.
يأتي ذلك رغم ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في أكثر من ثلاثة أشهر في أعقاب اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في غارة أميركية ببغداد الجمعة الماضي.
ولامست أسهم أرامكو لفترة وجيزة في المعاملات المبكرة اليوم الاثنين مستوى 34.45 ريالا (9.18 دولارات). وفقد سهم أرامكو 11% منذ تسجيل ذروته في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي عندما بلغ 38.7 ريالا، متأثرا بالخسائر التي منيت بها أسواق الخليج. وسجل مؤشر البورصة السعودية انخفاضا في التعاملات المبكرة بـ0.1% مع تراجع سهم أرامكو، قبل أن تقلص خسائرها.
الخطر القادم على السعودية أن المستثمرين لن يقتربوا من أسوار السعودية على الاقل في الاشهر القليلة القادمة، وقد يغادر الكثير من هؤلاء المملكة اماكن كانوا فيها ويسحبون استثماراتهم خوفا من اي حرب محتملة قد تندلع في الايام القليلة القادمة. وتزايدت المخاوف العالمية بشأن تصاعد الأحداث الجيوسياسية في منطقة الخليج، ويرجح المحللون والخبراء، تأثر خُمس الإنتاج العالمي من النفط مع اتجاه المنطقة نحو شفير الحرب؛ وترتفع أسعار برميل النفط لمستويات قياسية قد تناهز 100 دولار.