خلال الأشهر الأخيرة من العام المنصرم، شهدت المنطقة العربية تطوّرات عديدة، مثل الانتخابات المصريّة والانتخابات في العراق التي أطاحت برئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي، بالإضافة إلى سيطرة الدولة السورية على مناطق جديدة في أراضيها، وتظاهرات الأردن والسودان وأحداث المسيرات في فلسطين المحتلة، غير أن التحوّل الأكبر شهدته السعوديّة، بعد جريمة اغتيال الصحافي السعودي المعارض، جمال خاشقجي، داخل القنصليّة السعوديّة في إسطنبول.
ففي بداية العام الماضي، أي مطلع 2018، بدأ بن سلمان عامه كأمير يهمه تطوير بلاده ولو كان ذلك على حساب أمراء المملكة، وحصد تأييد البعض الذي سرعان ما فقده مع بدء تكشف خيوط احتجازه لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وإجباره على الاستقالة من منصبه.
وتبعه التسريبات التي أخذت بالانكشاف عن طريقة احتجاز الأمراء ومعاملتهم داخل أروقة الريتز كارلتون، إذ بدأت هنا تتبدل الآراء بشخصية بن سلمان، فالرؤيا المتطورة التي نادى بها، جعلت منه بدلاً من حاكم إصلاحي، حاكم مستبد قامع للمعارضين.
والصد والرد بين السعودية وقطر وأساليب التعامل بينهما كدولتين خليجيتين جارتين يجمعهما مجلس التعاون الخليجي "كأسرة واحدة كما اعتادوا أن يصفوه"، وانسحاب قطر من أهم منظمتين كان للرياض هيمنة عليهما "أوبك والمجلس التعاون الخليجي"، وفشل ولي العهد بقيادة البلاد اقتصادياً، بدّل شخصية الحاكم القامع ليصبح الحاكم الفاشل في أعين الجميع.
وشيئاً فشيئاً، أخذت المنظمات الحقوقية والإنسانية ترصد نتائج الحرب التي يشنها "التحالف العربي" بقيادة السعودية ضد اليمن، وازداد التحذير من استمرار الحرب بعد إحصاء كمية الدمار الهائل وماخلفته هذه الحرب من ضحايا وأمراض وحصار، فتبدلت شخصية الحاكم الفاشل لحاكم مجرم حرب بامتياز.
وخاشقجي، الذي خطف الأضواء من بن سلمان، ذلك الصحفي الذي قتل ببراعة فاشلة، وهنا نقصد براعة التمثيل في الجثة والفشل في إخفاء الجاني، كان مقتله داخل القنصليّة السعوديّة في إسطنبول أكبر حدث نال من بن سلمان وهيبته، فتركيا لم تحسب له حساب وهي لليوم تكشف المزيد والمزيد من خيوط تلك الجريمة، وأمريكا، حليفة المملكة، حاولت التستر ولكن في النهاية الشمس لا تُخفى، الكل شاهد وسمع ما فعله الفريق المنفذ للجريمة، والحاكم المجرم لم تتبدل شخصيته، بل ترسخت أكثر في عقول الجميع، وأثبت كم يستحق ذلك اللقب الذي أطلق عليه "أبو منشار".
أما أبرز ما كشفته تغطيات الصحف الأميركيّة عن بن سلمان، كانت علاقاته الوطيدة جداً بـ"إسرائيل"، إذ أوردت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن رئيس جهاز الموساد، يورام كوهين، زار السعوديّة أكثر من مرّة سراَ، بالإضافة إلى رجال أعمال إسرائيليين أصدرت لهم السلطات السعوديّة أوراقاً خاصّة لزيارتها، كما أن السعوديّة اشترت من كيان الاحتلال تقنية "بيغاسوس" للتجسس، بموافقةٍ من الحكومة الإسرائيلية ومحاولتها الاستثمار في قطاع الهايتك الإسرائيلي بمبلغ قد يصل إلى مئة مليون دولار.
وسنمر مرور الكرام على دور المملكة في صفقة القرن والحرب على سوريا، كون الدور السعودي تكشف كثيراً ولا يحتاج لشرح مطول، حيث كان للملك سلمان الدور الأكبر أكثر من ولي العهد في هاتين القضيتين.
لن ينسى محمّد بن سلمان العام 2018، على الأرجح، إذ سيذكره طويلًا على أنه العام الذي بدأه أميراً قوياً نوعاً ما، وأنهاه شبه معزول، حتى من أقرب حلفائه، فليس فقط واشنطن تخلت عنه، بل حتى الرئيس الفرنسي وبّخه أمام الكاميرات.. فهل سيكون عام 2019 عام النهاية؟