يعود ملف العلاقات السعودية_العراقية إلى الواجهة الإعلامية من جديد بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي الأربعاء "17/4/2019"، إلى الرياض على رأس وفد حكومي رفيع المستوى، على أمل أن تكسر هذه الزيارة الجليد بين البلدين بعد أن شهدت العلاقات بينهما تذبذبا كبيرا خلال العقدين الماضيين، ورغم جميع المحاولات السعودية لإغراء العراق عبر تحريك عجلة الاقتصاد في هذا البلد الخارج من حرب شرسة على الإرهاب، لم تفلح هذه المحاولات حتى اللحظة ولهذا الأمر أسباب عديدة سنحاول التطرق إليها تباعاً.
أسباب الزيارة
جميع الأخبار المنتشرة حول هذه الزيارة تشير صراحة الى ان الأمر يتعلق بالاقتصاد وكل ما عدا هذا يأتي على هامش أهداف الزيارة، وقيل إنه ضمن هذه الزيارة سيتم توقيع 13 اتفاقية تعاون بين بغداد والرياض في مجالات الاقتصاد والطاقة، فضلا عن فتح باب الاستثمار بشكل أوسع وإعادة الاعمار، وقالت وكالة "واس" السعودية إن 11 وزيرا وعشرات المسؤولين ورجال الأعمال يرافقون عبد المهدي في الزيارة التي تستمر ليومين، وتحمل "ملفات مهمة لبحث العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها، والمستجدات في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك".
وأضافت أن الزيارة تتضمن "التوقيع على العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الاقتصادية والتعليمية والفنية، بجانب اللقاءات الثنائية، وعقد ملتقى اقتصادي ولقاء رجال الأعمال من البلدين".
رئيس وزراء العراق حاول قدر المستطاع أن يكون شفافا فيما يخص هذه الزيارة وأشار إلى أن بلاده أمام تحول كبير في علاقاتها مع السعودية، مضيفا أن "زيارتنا إلى السعودية ستكون ملفاتها مكشوفة أمام الجميع".
التحول في العلاقات
عندما يقول عبد المهدي أن هناك تحولا كبيرا في العلاقات مع السعودية هذا يعني بطبيعة الحال ان هناك خللا كان يحيط هذا العلاقة، وهذا الأمر صحيح لأن العلاقات السعودية_ العراقية بعد العام 1990 شهدت قطيعة على خلفية حرب الخليج والتي قام خلالها صدام حسين بغزو الكويت، وبعد الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، ساد اعتقاد أن آل سعود سيطوون صفحة من "الانغلاق على العراق" على اعتبار أن الغازي صديق الرياض وساهمت الأخيرة في تأمين وقود الطائرات التي قصفت العراق، إلا أن هذا الأمر لم يحصل في الأعوام الأولى إلى أن دخلنا في العام 2006 الذي شهد لقاءا بين ملك السعودي آنذاك عبدالله بن عبد العزيز ورئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في شهر تموز من العام نفسه، لكن هذه الزيارة كتب عليها الفشل بسبب الأحداث الأمنية التي تبعت غزو العراق والتي شهدت اقتتال داخلي كان لآل سعود يد في تأجيج هذا الاقتتال عبر ارسال مقاتلين متشددين بحسب ما صرحت الأطراف العراقية التي سخرت من نفي الرياض ذلك.
في كانون الأول من عام 2015 وبعد انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وبغداد لمدة 25 سنة متواصلة تم افتتاح السفارة السعودية في العراق وسط ترقب لتبعات هذا الحدث، وبالفعل كانت آثار ذلك سلبية الى ابعد حد على الداخل العراقي، حيث سلمت الرياض الضابط الاستخباراتي ثامر السبهان مفاتيح السفارة ليبدأ جولات تحريضية داخل العراق ووصل به الأمر الى ان تدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، هذا الأمر أغضب العراقيين ما اضطر القيادة العراقية لتوجيه طلب رسمي بإخراج السبهان من العراق بعد أقل من عام على توليه هذا المنصب.
في العام 2017 شهدت العلاقات السعودية_العراقية الكثير من التحركات على المستوى الدبلوماسي قادها حينها عادل الجبير وزير الخارجية وافضى هذا الأمر إلى وعود في المجال الاقتصادي، ومن هنا بدأت اغراءات آل سعود لاقتحام الأبواب العراقية الموصدة في وجههم، ففي العام الماضي بدأت الشركات السعودية تفتتح مكاتب لها في بغداد على خلفية مشاركتها، في معرض بغداد الدولي الـ44 الذي نُظّم نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2017، ومن بين هذه الشركات نذكر "سابك" عملاقة البتروكيماويات السعودية.
بعد ذلك بدأت الوعود في فتح معبر عرعر الحدودي أمام حركة التجارة، وتبع هذا الحديث عن إعادة تشغيل خط الأنابيب الاستراتيجي الواصل بين منابع النفط في بلاد الرافدين وموانئ ينبع السعودية على البحر الأحمر، والذي أُغلق بقرار من الرياض إبان حرب الخليج الثانية، مقابل الحصول على فرص استثمارية في العراق، وخصوصاً في محافظة البصرة، قد تشمل شق طرق ومشروعات تجارية وزراعية.
طموحات ابن سلمان في العراق
ما يفعله ابن سلمان لاختراق العراق عبر الاقتصاد وشراء الأراضي والذمم بدأ يجد طريقه إلى النور عبر اللقاءات السياسية، ولكن ما اذا كان سيتم تحقيق طموحاته على ارض الواقع فهذا أمر آخر، خاصة وأن الشعب العراقي لديه تجربة مريرة مع آل سعود، ولن يكون من السهل اقناع الشعب العراقي بعد ان تركتهم المملكة وحيدين يحاربون "داعش" دون أن تمد لهم يد العون، بل على العكس الكثير منهم يرى أنها ساهمت في الاقتتال الداخلي، الأمر الأخر أن هناك قوى إقليمية أخرى حجزت لنفسها مكانا في قلوب وعقول العراقيين بعد ان ساعدتهم في دحر الإرهاب ومن بين هذه الدول نذكر "ايران" التي تسعى السعودية لتحجيم نفوذها في العراق، وفي حال استمر ابن سلمان بالضغط في هذا الاتجاه ستكون نتيجة طموحاته شبيه بالنتائج السابقة لتجربة عمه وسفير بلاده مع العراق.