يُثبت آل سعود يوماً بعد يوم أنهم لا يملكون أي قرار مستقل فيما يخص "تقرير المصير" وأن تبعيتهم مطلقة للولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي فإن أي محاولة للتحرر من قبضة الأمريكي سيكون ثمنها باهظ وقد يكلف آل سعود السلطة على البلاد، ونظراً لإدراك ملوك السعودية لهذه المعادلة كانوا دائما يحاولون عدم اغضاب واشنطن للمحافظة على البقاء في السلطة أطول مدة ممكنة، ولكن وبعد 75 عاماً على توقيع "اتفاق كوينسي" بين عبدالعزيز آل سعود الذي سيطر على اقاليم الجزيرة العربية بالسيف وسفك الدم وبين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت المنتخب من قبل سكان 52 ولاية امريكية ، والذي تضمن تقديم الحماية الأمنية للمملكة مقابل الحفاظ على امدادات النفط للولايات المتحدة، يبدو أن هذا الاتفاق أصبح عرضة للانهيار بعد أزمة "كورونا" وما تبعها من حرب نفطية بين السعودية وروسيا، فهل نشهد تحولات جديدة في منطقة الشرق الأوسط بعد كل هذه التطورات الجديدة، وما هو مصير العائلة الحاكمة في السعودية؟.
التهديدات بدأت مع الاتصال الذي اجراه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، حيث هدد ترامب الرياض بسحب القوات الأمريكية من المملكة، في حال لم تخفض إنتاجها النفطي.
التهديد الجديد كشفت عنه اربعة مصادر وصفتها وكالة رويترز للانباء بالمطلعة عن ان الرئيس الامريكي دونالد ترامب هدد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مكالمة هاتفية في الثاني من أبريل نيسان، من إنه إذا لم يبدأ بخفض انتاج النفط فلن يكون بوسعه منع أعضاء مجلس الشيوخ من سن تشريع لسحب القوات الأمريكية من السعودية.
واضافت هذه المصادر ان إبن سلمان بوغت بتهديد ترامب، حتى أنه أمر مساعديه بالخروج من الغرفة لكي يتمكن من مواصلة الحوار سرا. واكدت هذه المصادر ان التهديد كان "محوريا" في حملة الضغط الأمريكية التي أدت إلى خفض عُشر الإنتاج العالمي في وقت انهار فيه الطلب بفعل جائحة كورونا، و"سجلت نصرا دبلوماسيا للبيت الأبيض"!.
لماذا التهديد الآن، لطالما أن ترامب كان سعيداً بانخفاض أسعار النفط، ولماذا قبل ابن سلمان؟
أولاً: صحيح أن ترامب اعتبر انخفاض أسعار النفط في بداية انتشار "جائحة كورونا" أمراً مفيدا للاقتصاد الامريكي على اعتبار أنه يمكن واشنطن من ملئ خزانات البلاد بالنفط الرخيص ويؤمن للمواطنين الوقود بأسعار رخيصة، الأمر الذي اعتبره ترامب يساعده في كسب أصوات أكبر في الانتخابات الرئاسية المقبلة، لكن ما أن مرت عدة اسابيع حتى انقلب السحر على الساحر، وبدأ انخفاض الاسعار يقوض عرش ترامب ويهدد مستقبله السياسي، بعد أن انخفضت اسعار النفط الامريكي الى ما دون الصفر، في ظل انتشار "فيروس كورونا" في عامة البلاد، الامر الذي هدد الاقتصاد الأمريكي بالتراجع الى مستويات متدنية جدا وسيؤثر بطبيعة الحال على الميزانية الامريكية ويحد من نفوذها في العالم، وهذا ما دفع تجار النفط الأمريكيين وبعض النواب للطلب من ترامب التدخل بشكل مباشر لتخفيف حدة الأزمة.
ترامب هنا وجد أنه من الأفضل لبقائه في السلطة الدخول على خط الأزمة وممارسة ثقله وضغطه السياسي على آل سعود لاجبارهم على خفض الانتاج منعا للانهيار في سوق النفط، وما كان من ولي العهد السعودي إلا القبول بما فرضه ترامب خوفا من أن يقدم ترامب على خطوات لا يحمد عقباها، خاصة وان اوضاع المملكة من الداخل ليست على ما يرام، وبالتالي فإن اي عاصفة جديدة على المملكة قد تأخذ الامور الى منحى جديد يقوض عرش آل سعود إلى الأبد.
ثانياً: السعودية تخشى من اي قرار أمريكي يخص سحب القوات الأمريكية عن اراضيها، وهنا يجب ان نذكر بأنه توجد في الأراضي السعودية بصفة دائمة 555 شخصية قيادية من وزارة الدفاع الأمريكية، منهم 314 عسكريا و241 مدنيا، وفق بيانات مكتب المعلومات التابع لوزارة الدفاع الأمريكية. ورغم أن السعودية تحيط الوجود العسكري الأمريكي وقواعده على أراضيها بقدر عالٍ من الكتمان، إلا أنها تقر بوجود القوات الأمريكية في 13 منشأة عسكرية.
اذا واشنطن تسيطر على مفاصل السلطة الأمنية في المملكة، وبالتالي بإمكانها احداث اي خلل تريده في أي لحظة تريدها، وحينها يكون مصير حكام آل سعود مشابه للقذافي وصدام وغيرهم، والاهم أن الرياض ليس لديها اي اوراق قوة أمام واشنطن، خاصة بعد أن أغرق ابن سلمان المملكة في وحل الأزمات السياسية، واتبع سياسة "العداء" لدول الجوار، وبالتالي لن يكون له حاضنة جيدة في المنطقة في حال تعرضت بلاده لأزمة تفرضها واشنطن، ومن هنا يمكننا أن نفهم سر قبول ابن سلمان السريع لمطالب ترامب.