بقلم: فيصل التويجري
على استحياء وبطريقة من يسعى لرفع العتب لا غير، تطرق بيان القمة العربية الختامي في مكة المكرمة الى القضية الفلسطينية لمرة واحدة فقط، وبعد استكماله لبنوده العشرة. أما القمة الخليجية التي سبقت القمة العربية مباشرة فلم تأتي مطلقاً على ذكر فلسطين، بيد أن المشترك الوحيد بين القمتين كان التجاهل التام للأزمة في اليمن وليبيا، حيث تشكل الرياض وأبو ظبي اللتان التأمت القمتان لحشد التضامن معهما، اطرافاً رئيسية في زعزعة الأوضاع فيهما.
يستقبل البرهان ويحتفى فيه بقمة مكة وهو رئيس المجلس العسكري المؤقت في السودان، وتلك صفة يؤكد الدستوريون وقانونيون أنها لا تؤهله لتمثيل بلاده التي تمر فيها الشرعية بمرحلة انتقال عسيرة ومختلف عليها. ولوحظ مدى اعتناء الرجل الثاني في السعودية وهو محمد بن سلمان بهذه الشخصية وكأنهما صديقان قديمان، كما وتحمل الصورة التذكارية للزعماء بما هو أكثر من لافت وخاصة بما خص الأزمة اليمنية، حيث بدى الرئيس المنتهية صلاحيته في اليمن هادي عبد ربه منصور منبوذاً الا أنه كان كالحاضر الغائب، ومن هنا يريد السعوديون القول لنا أنه الرئيس الشرعي للبلاد، بل ان الحرب التي دخلت عامها الخامس في بلاده خيضت تحت عنوان استعادة الشرعية أي اعادته الى اليمن، وذلك بعد الحاق الهزيمة بخصومه وممن دفعه الى الهروب من اليمن تحت جنح الظلام. كما أن الصور نفسها لا تترك هادي في حاله، حيث بدى ملحقاً وليس في الصف الأول بل الثاني وحتى هنا ليس في المنتصف بل في آخر مكان وكأنها صدفة حدثت.
قمة عربية سبقتها قمة خليجية طارئة، وفي كلتيهما غابت أو غيبت اليمن وليس الرئيس اليمني، فمن حضر فعلياً وان غابوا هم الحوثيين، حيث انهم الخطر الذي هدد والذي هاجم السعودية التي تقتل شعبهم كل يوم، ليصور بهجماته وبحسب الاعلام السعودي أنه عبارة عن صورة مصغرة عن التهديد الإيراني الكبير.
وبقراءة سريعة التقط كثيرون هيمنة إيران على مواضيع القمتين الخليجية والعربية، فاذا البنود العشرة لبيان القمة العربية الختامي كلها حول إيران. وثمة جماعة الحوثي التي يعتبرونها وبحسبهم ذراع إيران في الخليج.
وبالتالي لا يوجد اليمن، التي يخوض فيها الجيشان السعودي والاماراتي عدواناً بربريا لم يحرز نصراً ولم يجبر الحوثيين على اعلان الهزيمة والاستسلام بالرغم من قيامهم بتقسيم البلاد بين النفوذين السعودي والاماراتي في الموانئ والمحافظات. أما في القمة الخليجية هناك تسعة بنود للبيان الختامي تبدأ بإدانة الهجمات التي قامت بها وبحسب ما وصفها البيان "الميليشيات الحوثية الإرهابية" على مضختي النفط في الرياض، وتلك نفسها العاصمة السعودية وليست مدينة نائية في المملكة. وتنتهي البنود بالتنديد بالتهديدات الإيرانية لحرية الملاحة البحرية ولإمدادات النفط وبدعوة للمجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته في تأمين حرية الملاحة والممرات المائية، وذلك عملياً كان بمثابة نداء استجداء للحماية ووفق ما وصفه البعض لا يليق بدول لم تترك سلاح حديث وفتاك في العالم الا واشترته لمواجهة عدو يوصف بأنه مجرد حفاة كالحوثيين.
غياب اليمن لم يكن الوحيد، فقد غابت ليبيا أيضاً، حضر السراج لكن بلاده لم تحضر على طاولة النقاش، مثلما غابت تماماً عن بياني القمتين، وكان لذلك يمر فلا يستوقف أحداً لولا أن الحضور ويقال أن التدخل السعودي والاماراتي في هاتين الدولتين أكبر مما يعتقده البعض وهو متناقض بشكل صارخ مع مضمون الدعوتين لهاتين القمتين بالتحديد، فكيف لدولة تحتضن قمة عربية لجمع الصف أن تفسر استقبال رأس الهرم أي الملك السعودي للجنرال الليبي حفتر الذي يخوض حرباً لإسقاط حكومة السراج التي تدعي السعودية الاعتراف بها وتسعى لاستقطاب صوتها في اطار سعيها لاستصراخ العرب من أجل أمنها، ولعل الأمن القومي العربي عندما يصغر ويختزل فاذا هو هواجس دولتين ليس أكثر.
في الختام ان التحالف السعودي الإماراتي وبتعتيمه على هذه القضايا يريد التغطية على ما يدور في ليبيا واليمن، وذلك بتوظيف تداعيات الحرب لصالحه وضمن أجندة أميركية إسرائيلية واضحة، وأن الهدف من وراء القمم الثلاث يتمثل في إيجاد أرضية سياسية وقبول عام لترتيبات الأطراف المشاركة في صفقة القرن عبر اظهار إيران كأنها العدو الأول والأخير في المنطقة، بغية التغطية على التهديدات الحقيقية التي يواجهها العرب المتعلقة بتصفية القضية الفلسطينية والاستيلاء على القدس وضم الجولان، وغيرها من القضايا التي تشكل نواة المواجهة العربية الإسرائيلية.