اذا كنت كاتباً أو أكادمياً أو ناشطاً وتعيش على أراضي المملكة السعودية ليس عليك سوى ان ترفض التطبيل والتزمير لمشاريع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ليكون مصيرك السجن تحت مظلة القانون الذي فصله آل سعود على مقاس حكمهم، وما يفعله ابن سلمان اليوم بالنشطاء والأكاديمين ليس بالأمر الجديد على السياسة السعودية التي ينعدم فيها قبول الرأي الآخر، أو حتى الصمت في حال لم تكن راضياً عما يجري، إما أن تُطبل أو سيكون مصيرك الاعتقال كما حصل مع العشرات خلال السنوات القليلة الماضية وكما حصل مع الالاف خلال العقود المنصرمة.
كان البعض يعتقد أن وصول شاب من آل سعود إلى السلطة ربما يغير من أسلوب الحكم وطريقة التعاطي مع الشعب، إلا أن ابن سلمان فاجئ هذا البعض بأنه أكثر ديكتاتورية من جميع اسلافه، وعلى الرغم من ارتدائه قناع الاصلاح إلا أن هذا القناع يسقط بشكل تدريجي مع فشل مشاريعه والتي وصلت جميعها إلى طرق مسدودة وما يقوم به من مشاريع "ترفيهية" للتغطية على فشله في جميع الملفات لن يدوم طويلا لأن ما يجري ليس مبنيا على اسس منطقية تتناسب مع طبيع المجتمع ، ويمكننا نصف "الترفيه" الذي يقدمه ابن سلمان للمجتمع السعودي بأنه "ترفيه بالإكراه" سيزول عندما يصل ابن سلمان إلى مبتغاه في السلطة.
حملات اعتقال بالجملة
لا تزال آلة القمع التي ينتهجها ابن سلمان تزج عشرات الكتاب والصحفيين وأصحاب الرأي في سجون المملكة، وتتسارع خطى ولي العهد في هذا الاتجاه كلما فشل في تنفيذ مشروع معين، وآخرها فشل جذب المستثمرين لشراء أسهم آرامكو التي تم طرحها للاكتتاب العام، وما أن تأكد الخبر حتى بدأت حملة اعتقال جديدة بحق عدد من الكتاب والناشطين، وعلى رأسهم، "الكاتب عبدالعزيز الحيص، المدون عبدالرحمن الشهري، الكاتب عبدالمجيد سعود، الأكاديمي وعد المحيا، الكاتب بدر الراشد، الأكاديمي فؤاد الفرحان، الناشط مصعب العبدالكريم، الأكاديمي سليمان الناصر، والصحفية زانة الشهري، والصحفية مها الرفيدي"، فيما يظل آخرون لم تُعرف أسماؤهم حتى الآن، أو لم يتم التأكد من اعتقالهم، وكعادة السلطة الحاكمة لا تدلي بأية معلومات عن ما تنتهجه من إجراءات قمعية بحق الشعب .
الواضح ان النظام السعودي منذ منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وسع دائرة المستهدفين واعتقل شخصيات مستقلة وغير منتمية لأي تنظيمات منهم رجال أعمال وكتاب ومثقفين ومدونين وأكاديمين بينهم نساء، بعضهم توقف عن الخوض في أمور السياسة منذ فترة طويلة، والبعض الآخر ليس له نشاط سياسي من الأساس.
وبحسب مراقبين فإن المعتقلين مميزون بعملهم الكتابي وبقلمهم الرائع، وحتى مشاريع بعضهم الريادية الصغيرة كانت بالفعل مميزة، مثل منصة رواق وشركة مصعب فؤاد القابضة وغيرها.
وحول الاعتقالات الجديدة كتبت الأكاديمية السعودية مضاوي الرشيد مقالا في صحيفة “واشنطن بوست” قائلة إن السعودية تقوم بحملة ضد الكتاب الذين يتحدّون محمد بن سلمان ورؤيته الضيقة.
وقالت إن حملة قمع جديدة للمدونين والكتاب في السعودية هي آخر دليل على أن ولي العهد يشعر بالجرأة لترهيب مواطنيه، وهذا بسبب دعم الشركاء الغربيين له خاصة الإدارة الأمريكية. فالدعم الذي لم يتزعزع من الرئيس دونالد ترامب، منح الرياض صكا أبيض ليس لأنه تفلت من جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي ولكن لاحتجاز الناشطين والكتاب.
ولا يعرف بعد ماهية الاتهامات الموجهة للمعتقلين الجدد، مع أنهم يشتركون في شيء واحد: جريمة الصمت، فجميع الكتاب المستقلين فشلوا في تقديم الدعم الحماسي للأمير ومبادراته الجديدة. وكانوا جميعا من المتحمسين للربيع العربي عام 2011 إلا أنهم التزموا بالصمت منذ وصول الأمير إلى السلطة في عام 2017 وتجنبوا توجيه النقد لسياساته.
على الجانب الآخر نشرت وكالة "DW" الألمانية مقابلة مع لينه الهذلول، شقيقة الناشطة السعودية لجين الهذلول التي تقبع منذ شهور في السجن، وتُحاكم بتهم تتعلق بنشاطها في مجال حقوق الإنسان .
ووصفت شقيقة المعتقلة السعودية، المملكة بـ"دولة بوليسية"، قائلة: "لا أريد لدولتي أن تصبح دولة أمنية. لقد كنت سعيدة ومتفائلة بالإصلاحات التي جرت، لكن الآن أرى أنها أصبحت دولة بوليسية. لست حزينة فقط على شقيقتي وموقفها، أنا حزينة على دولتي كلها. لا أريد للناس هناك أن يشعروا بالخوف طوال الوقت. لا أريدهم ألا يكونوا قادرين على التعبير عن أنفسهم، لذلك أشعر بالحزن حقا على بلدي".
وقالت لينة الهذلول معلقة عن محاكمة أختها: "محاكمة لجين بدأت في آذار/ مارس، لكن منذ نيسان/ أبريل توقفت إجراءات المحاكمة. لا نعرف لماذا توقفت؟ ولا نعرف ماذا سيحدث؟ ومنذ أبريل/ نيسان تقبع لجين في سجن انفرادي ولا نعرف أي أخبار منذ ذلك الحين. أقصد أننا نتحدث إليها ووالداي يتحدثان معها، ولكن ماذا سيحدث لها لا نعرف شيئا. وهي الأخرى لا تعرف".
وحول الاتهامات الموجهة للناشطة السعودية المعتقلة، قالت لينة: "الاتهامات بشكل رسمي تدور حول كل ما فعلته، عن نشاطها وكذلك عن السؤال عن حقوق المرأة والتقدم لوظيفة في الأمم المتحدة. ببساطة كل ما يتعلق بشاطها. ولكن لماذا يحتجزونها؟ أعتقد أنك تعرفين أنه من الصعب للغاية البوح بذلك. لكنني أود أن أقول ربما لا يريدون لأي شخص أن يكون له رأي وأن يتحدث عن آرائه. إنهم يريدون كل شيء يأتي من أعلى إلى أسفل وليس العكس".
يحيى عسيري رئيس منظمة القسط لحقوق الإنسان السعودية التي تتخذ لندن مقرا لها، قال: إن حملة الاعتقالات الأخيرة كشف عنجهية النظام وشهيته وبطشه. وأكد في حديثه أن الاعتقالات والقمع هي السمة المرافقة للنظام السعودي منذ نشأته، ولكنها ازدادت حدتها وهمجيتها منذ وصول محمد بن سلمان إلى ولاية العهد.