أراد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن يُدخل روح الشباب على اقتصاد المملكة وينقذ السعودية من اعتمادها على مصدر دخل واحد "النفط" وتنويع الاقتصاد وابعاده عن خطر "الشيخوخة والكهولة" ولكن ما حصل كان عكس التوقعات والتمنيات، حيث أدخل الأمير الشاب اقتصاد البلاد إلى غرفة العناية المشددة ولا أحد يعلم أي مصيرٍ مجهول ينتظر هذا الاقتصاد.
الأزمات الاقتصادية في السعودية لا حصر لها على جميع المستويات والأصعدة إن كان فيما يخص الأجور والمعاشات والاستثمارات وفرض الضرائب والعمالة الخارجية وأسواق النفط والعجز في الميزانية وغيرها من الأمور التي اثقلت كاهل المواطن السعودي وأجبرته على أن يفقد ثقته بمن يخطط لهذه البلاد مسارها الاقتصادي.
أعباء اقتصادية
تحدثت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية مؤخرا في تقرير لها عن نفور رجال الأعمال من اصلاحات ابن سلمان وآثار هذه الاصلاحات المؤلمة عليهم، وقالت الصحيفة في تقرير لها إن رجال الأعمال السعوديين يعيشون ما أسمتها آلام إصلاحات ولي العهد محمد بن سلمان. وأضافت الصحيفة أنه بينما يُعبّر بعض السعوديين عن تفاؤلهم برؤية ولي العهد 2030، تشتدّ مخاوف آخرين بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي.وتابعت أن الشركات السعودية هي التي تحملت وطأة التغييرات الشاملة التي أطلقها محمد بن سلمان. وقالت إنه بعد انخفاض أسعار النفط عام 2014، لم يتمّ دفع عشرات المليارات من الدولارات من العقود الحكومية. ونقلت الصحيفة عن مسؤول تنفيذي أجنبي أن هناك نحو سبعة آلاف شركة صناعية في السعودية، والكثير منها تخسر المال أو بالكاد تكسبه.
وذكر التقرير أنه في جدة أغلقت محلات عديدة أبوابها، وكُتب عليها عبارة "للإيجار"، كما يشتكي التجار من انخفاض المبيعات، والخروج الجماعي لأكثر من 1.7 مليون أجنبي، وارتفاع التكاليف بسبب السياسات الحكومية.
وجاء في التقرير أن الشركات السعودية أبرز متضرر من قرارات محمد بن سلمان، ذلك أن التخفيضات الكبيرة في دعم الطاقة، إلى جانب إحداث ضريبة؛ أثرا بشكل مباشر على إنفاق العائلات السعودية.
علاوة على ذلك، أدى الارتفاع الكبير في تعريفة جلب العمال الأجانب، الذين كانوا يشغلون 90% من القطاع الخاص، إلى ارتفاع التكاليف وتراجع الأرباح، وهو ما أحدث حالة خروج جماعي للوافدين، إلى جانب تراجع الطلب الاستهلاكي، الذي أدى بدوره إلى حالة انكماش اقتصادي.
الاقتراض من الخارج
ما ينذر بصعوبة الأوضاع الاقتصادية في البلاد خلال الفترة القادمة هو الاقتراض المستمر من مصارف غربية عدة، وهذا الأمر سيؤثر بطبيعة الحال على مستوى المعيشة واستقرار العملة وغيرها من الأمور.
وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية استدانت السعودية منذ تراجع أسعار النفط عام 2014 حوالي 100 مليار دولار لتمويل جزء من العجز الناتج عن ذلك في موازنتها والذي زاد عن 260 مليار دولار خلال السنوات الأربع الماضية.
الأزمات السياسية والعسكرية
لاشك بأن الأزمات السياسية والعسكرية أرخت بظلالها على الاقتصاد السعودي، خاصة وأن ولي العهد السعودي ساهم في تعقيد سياسة البلاد وذهب بها إلى أماكن مجهولة، بعد أن كان له يد في الأزمة القطرية ومقتل خاشقجي والأزمة مع كندا والمانيا والنمسا والتدخل في الشؤون اللبنانية والعراقية وحرب اليمن وغيرها من الملفات الشائكة التي دفعت السعودية إلى سباق تسلح مخيف كلف ميزانية البلاد مليارات الدولارات، لشراء الأسلحة وتعزيز قوات الأمن والشرطة وملاحقة المعارضين المطالبين بالإصلاح.
الاعتماد على النفط
لم يستطع ابن سلمان تنفيذ مشاريع "رؤية السعودية 2030" بالشكل المعلن عنه حتى الآن، وربما ساهم في ذلك عدم تمكنه من بيع أسهم من شركة "آرامكو" إلا أن الأسباب السياسية والعسكرية الآنفة الذكر كان لها دور كبير ايضا، وبالتالي لا تزال تعتمد السعودية على النفط الذي تنخفض اسعاره ومؤخرا هبطت أسعار النفط إلى نحو 60 دولارا للبرميل على غير التوقعات بارتفاعها، خاصة بعد توقف معظم الصادرات النفطية الإيرانية نتيجة التهديدات الأمريكية. وكان هذا السعر في الربيع الماضي أكثر من 75 دولارا للبرميل.
يبدو أن ما كان يقوم به ابن سلمان خلال الفترة الماضية يصب في مصلحتة الشخصية بشكل بحت وليس في صالح البلاد والعباد، ورأت دراسة جديدة صادرة عن مركز بيغن-السادات في تل أبيب أنّ ولي العهد السعوديّ، محمد بن سلمان، عاقد العزم على الترويج لنفسه باعتباره رمزًا للاعتدال الدينيّ في المملكة، ولكن العديد من المراقبين يشكّكون في أنّ التغييرات التي قام بتنفيذها هي عميقة، وقد تتحوّل إصلاحاته إلى حملةٍ مع العلاقات العامّة أكثر من التغيير الأساسيّ، كما أكّدت.