خمسة أشهر مضت على انتخاب عمران خان رئيسا لوزراء باكستان؛ خان وحتى أيام قليلة كان يُظن أنه الحليف الرئيسي لإيران في جنوب آسيا على اعتبار اعلانه انه سيوجه أجنحة طائرته نحو طهران منذ ايامه الاولى لاستلام السلطة وهذا ما اعتبره البعض أو الغالبية بالأحرى تغييرا جديدا في مسار السياسة الباكستانية التي اعتادت أن تكون الحليف الرئيس للرياض وليس لطهران.
بعد مضي الخمسة أشهر نجد أن عمران خان عاد إلى نهج بلاده الكلاسيكي من حيث العلاقة مع السعودية وقام بزيارتين إلى الرياض ليتبعها بزيارات متتالية إلى الامارات وتركيا ولكن اختفى اسم طهران عن جدول رحلاته، وربما زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى اسلام آباد الشهر المقبل والتوقيع على مذكرة تفاهم تقضي بقيام المملكة باستثمار 10 مليار دولار في باكستان بالإضافة إلى القرض النقدي الذي قدمه الملك السعودي إلى عمران خان خلال زيارته الأخيرة إلى الرياض في أكتوبر، يعطي مؤشرات واضحة حول أسباب تغير خان لمساراته السياسية التي أوحى للجميع في البداية أنها تميل نحو طهران، ولكن دعونا نفصل اكثر أسباب عدم قدرة عمران خان على الانفكاك من الارتباط الوثيق مع السعودية.
لطالما كانت السعودية حليفا وثيقا لباكستان، حيث يتعهد الجيش الباكستاني بحماية السعودية تحت عنوان حماية الحرمين وفي المقابل تتعهد الرياض بتقديم المساعدات المالية والائتمانية لباكستان، وتحاول باكستان دائما الامتناع عن استفزاز الرياض.
عندما دعت السعودية إسلام آباد إلى استخدام قواتها العسكرية للمشاركة في العدوان على اليمن ، كان رئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف في وضع صعب، حيث لم تستطع إسلام آباد ، بسبب المساعدات التي تلقتها من السعودية، أن تقول علناً للملك السعودي "لا". أخيرا ، قرر نواز شريف عرض القرار على البرلمان ، حيث تم اتخاذ القرار النهائي برد باكستان السلبي على الرياض.
لكن مقاومة نواز شريف للمشاركة في الحرب اليمنية لم تستمر طويلا، ففي نهاية المطاف، أرسل الجيش الباكستاني جنودا إلى المملكة تحت مظلة "التدريب والاستشارة" وقيل حينها أن "راحيل شريف" الذي قدم استقالته من رئاسة الأركان الباكستانية ليتولى منصب قائد التحالف في اليمن، قيل ان له دور كبير في احضار الجنود الباكستانيين إلى السعودية واشراكهم في الحرب على اليمن فيما بعد لسببين جوهريين، الأول: كون الباكستانيون يتوقعون أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان سوف يتولى السلطة بعد فترة وجيزة من والده ويريدون أن يضمنوا بقاء ولائه لباكستان، ثانياً: خشية خسارة العطاء السخي من المملكة، خاصة في ظل الظروف المعيشية المتردية التي تمر بها باكستان، اما سبب رفضهم فكان يتعلق بكونهم لايريدون أن تتدهور العلاقة مع ايران وأن يغرقوا في مستنقع اليمن.
ورغم ان عمران خان كان يبدو مستقلا في قراراته في البداية ويعمل على تغيير هذه السياسة إلا أننا اكتشفنا أن خان كان وحيدا في هذا التفكير ولم يستطع أن ينفذ ما يصبو إليه، وتبين أكثر أن مركزية القرار ومراكز صنع القرار في باكستان مرتبطة بشكل مباشر بالمؤسسة العسكرية وخاصة الجيش الباكستاني.
وبما أن للجيش الباكستاني علاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية لا يمكن توقع غير الذي يجري الآن. وفي نفس الوقت ، يجب ملاحظة أن عددًا كبيرًا من المهاجرين الباكستانيين موجودون في دول الخليج، وأحد المصادر الرئيسية لإيرادات البلاد تأتي من العملات الأجنبية التي يرسلها العمال الباكستانييون إلى أهاليهم من الخليج.
عمران خان لا خيار له إلا الالتحاف تحت عباءة آل سعود على اعتبار انه لا يمكنه مواجهة المؤسسة العسكرية خوفا من الانقلاب عليه وعزله أو اثارة البلبلة في البلاد وهذا آخر ما يتمناه خان، لذك كان لابد من أن يغض عمران خان النظر عن جميع انتهاكات آل سعود في اليمن ومقتل خاشقجي وغيرها وأن يعلن لهم الطاعة للحصول على المكاسب المادية من جهة والحفاظ على كرسيه من جهة أخرى.
وما يميز خان أنه لم ينكر "اغلاق عينيه" عن جرائم آل سعود، فخلال مقابلة أجراها مع صحيفة "إندبندنت" البريطانية قبيل توجهه إلى السعودية للمشاركة في المؤتمر المعروف بـ"دافوس الصحراء"، عبر خان عن صدمته إزاء مقتل خاشقجي داخل قنصلية المملكة في إسطنبول، وتابع "لكن إلى جانب ذلك، ينبغي لي الاستفادة من هذه الفرصة (المشاركة في المؤتمر) لأننا بلد يبلغ عدد سكانه 210 ملايين نسمة ويعيش أسوأ أزمة دين في تاريخه".
وأكد خان أن باكستان تحتاج إلى الأموال "حاجة يائسة"، موضحا أنه إذا فشلت إسلام آباد في الحصول على قروض أو استثمارات من دول حليفة لها، فإنها ستواجه "مشاكل حقيقية" بسبب عدم امتلاكها أموالا بالعملات الأجنبية لتسديد ديونها وتمويل وارداتها.