هادي الاحسائي
قد يعتقد البعض أن تراجع نمو اقتصاد المملكة وهروب المستثمرين من البلاد ينحصر بقضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، إلا أن الأمر في الحقيقة أعقد من ذلك ويعود إلى بداية الحديث عن رؤية "2030" التي تمثل جوهر خطط ولي العهد محمد بن سلمان والتي طرحها قبل وصوله إلى هذا المنصب ومن المؤكد أنها ساعدته في تسويق نفسه فور سيطرته على هذا المنصب ونظرا لأهمية المشاريع التي طرحها الأمير الشاب حينها فيما يخص تطوير المملكة وتحديثها ومنح المزيد من الحريات دفع الشباب والمستثمرين الأجانب إلى التفاؤل بمستقبل المملكة، ولكن ليس كل ما يلمع ذهباً.
بدأت قصة تراجع اقتصاد البلاد وهروب المستثمرين منذ حملة الاعتقالات التي قادها محمد بن سلمان ضد شريحة واسعة من مختلف فئات الشعب لا سيما الحملة الشهيرة ضد الأمراء الذين اعتقلهم في فندق الريتز كارلتون ومن هنا بدأ المستثمرون والشعب يخافون من ولي العهد على حد سواء، وبدأ التجار يخشون من تزعزع الأمور أكثر وخافوا من غياب القانون وعدم القدرة على حمايتهم في ظل وضع سياسي واقتصادي متأرجح لا أحد يعلم إلى اين يمضي.
وعلى ما يبدو كان المستثمرون على حق فقد اتجهت الأمور نحو الأسوء بعد مقتل خاشقجي بشكل مريع، وبدأت عملية القتل هذه تنعكس تدريجيا على اقتصاد البلاد، فالعديد من الشركات ورجال الأعمال باتوا يسحبون استثماراتهم من السوق السعودي، فالوضع هناك لم يعد مستقراً كما كان بالسابق، واقتصاد المملكة ينحدر بتسارع مخيف كما يصرح مستثمرون كبار.
ومنذ بدء تكشف خيوط عملية قتل الإعلامي السعودي المعارض جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول التركية، قبل نحو شهر، هوت المؤشرات الاقتصادية السعودية للمنطقة الحمراء في انحدار اهتزت معه خطط المملكة المالية، وتسببت حالة الإرباك هذه بانهيارات كبيرة في سوق الأسهم السعودية، كما أعلنت شركات غربية عملاقة ورجال أعمال انسحابهم من رعاية مؤتمر "دافوس الصحراء" الاقتصادي، المزمع عقده بالمملكة نهاية الشهر الجاري.
وفي خضم ذلك أوقفت شركات أوروبية وأمريكية كبيرة تعاونها رسمياً مع مؤسسات سعودية ومشاريع ضخمة يرعاها ولي العهد محمد بن سلمان.
وفي أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، انسحبت شخصيات بارزة مثل سام ألتمان، رئيس شركة "واي كومبيناتور"، ووزير الطاقة الأمريكي السابق، أرنست مونيز، مؤقتًا من مشروع بقيمة 500 مليار دولار.
وفي حين أن التنمية لا تزال تمضي قدمًا، يمكن أن تكون خطط لمشروعات أخرى أيضًا في خطر. وقد قطع الملياردير ريتشارد برانسون مؤخرًا العلاقات مع مشروعين سياحيين في المنطقة بسبب مخاوف مماثلة. وفي بيان له، قال برانسون إن غتيال خاشقجي قد "يغير من قدرة أي منا في الغرب على التعامل مع الحكومة السعودية".
ويشير تقرير لشركة الاستشارات كابيتال إيكونوميكس إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة انخفض إلى نحو 0.2% من إجمالي الناتج المحلي للسنة الماضية. وشهد اقتصاد السعودية انكماشا العام الماضي، وخلال الربعين الأول والثاني من السنة الحالية، إذ لم تتغير نسبة الناتج المحلي الإجمالي تحت 2%، وفقا لبيانات موقع ترايدنغ إيكونوميكس.
ونقلت وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية عن روبرت دبليو جوردان، سفير واشنطن لدى السعودية (2001-2003) قوله: "تضررت رؤية 2030 بشكل كبير (..)، وانخفض الاستثمار الأجنبي المباشر بالسعودية".
وأرجعت الوكالة هذه المعطيات الخاصة بالعام الماضي، إلى سبب سلوك ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، "والآن سيجري خفض أكبر مع تراجع المستثمرين من الخارج".
كل ما تقدم يؤكد أن مستقبل البلاد الاقتصادي على كف عفريت، خاصة ان الأرقام المطروحة لإكمال المشاريع التي تم البدء ببعضها وبعضها لم يبدأ بعد، كبيرة جدا فبحسب تقرير نشره موقع "بيزنس إنسايدر" البريطاني فإن لدى المملكة حوالي 4.700 مشروع بناء قيد الإنشاء، بقيمة إجمالية تبلغ 852 مليار دولار، نذكر منها "مشروع نيوم: 500 مليار دولار"، مترو الرياض: 22 مليار دولار، مدينة جدة الاقتصادية: 20 مليار دولار، مدينة الفيصلية الذكية: 25 مليار دولار، ضاحية الفرسان: 20 مليار دولار وغيرها من المشاريع التي بات اكمالها محفوفا بالمخاطر وهذا سينعكس لا محالة على اقتصاد البلاد ومسيرها الاقتصادي، خاصة وأن العديد من المستثمرين بداوا بإعادة التفكير في مساهماتهم في هذه المشروعات.