يعيش لبنان العربي ظروف معيشية صعبة نتيجة عدة أزمات متلاحقة فتكت بالاقتصاد اللبناني، منها قانون قيصر الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على سوريا وأثر بشكل مباشر على الاقتصاد اللبناني لكون سوريا تمثل رئة الاقتصاد اللبناني، ليأتي معها عقوبات اقتصادية مباشرة على لبنان من السعودية والولايات المتحدة الامريكية، ثم جاء انفجار مرفأ بيروت، وفشل السياسيين هناك في تشكيل حكومة تلقى قبول شعبي ودولي، على اعتبار ان لكل دولة اقليمية وكبرى مصالحها الخاصة، ورغم أن هذه الدول تعرقل المسار السياسي للحل في لبنان في الخفاء إلا أن آل سعود يفعلون ذلك في العلن.
مؤخراً وعلى سبيل المثال لا الحصر أصدرت السعودية قرارا نافذا بمنع دخول الفواكه والخضراوات اللبنانية أو نقلها عبر أراضيها بسبب زيادة في تهريب المخدرات. وقالت وكالة الأنباء السعودية: "المملكة تقرر منع دخول إرساليات الخضراوات والفواكه اللبنانية إليها أو العبور من خلال أراضيها ابتداء من الساعة التاسعة صباحاً من يوم الأحد لحين تقديم السلطات اللبنانية المعنية ضمانات كافية وموثوقة لاتخاذهم الإجراءات اللازمة لإيقاف عمليات تهريب المخدرات الممنهجة ضدها".
قالت السعودية أنها أصدرت هذا القرار على خلفية كشف شحنة جاءت من لبنان محملة بحبوب الكبتاغون وكانت الحبوب مخفية داخل ثمار الرمان، لكن اللبنانيين أنكروا هذا الأمر وضجت وسائل التواصل الاجتماعي بأنه لم يحن حتى اليوم موسم قطاف الرمان، فكيف وصلت هذه الشحنة.
بغض النظر إن كان موسم الرمان أم لا، القرار واضح انه سياسي بحت للاعتبارات التالية:
أولاً: لم تنسق السلطات السعودية مع الجهات المعنية في لبنان للحديث عن ملابسات الحادث والتعاون لمنع حصول ذلك في الايام المقبلة، وانما اتخذت القرار على عجلة وبشكل متعمد، خصوصاً أن مراجع عديدة في الدولة قالت إنها فوجئت بالقرار وخلفياته، فيما قالت مصادر أمنية إن ملف تهريب المخدرات قضية عالمية شائكة تعرف السعودية المصاعب التي تعترض طريق ضبطها، وقد سبق وتدخل السعوديون رسمياً مع لبنان لإطلاق أحد الأمراء الذين تورّطوا بعمليات التهريب، وعُرف باسم أمير الكابتاغون، كما تعلم السلطات السعودية ان دولاً كبرى وامكاناتها تفوق امكانات لبنان كثيراً تعاني الكثير في عمليات الملاحقة والضبط لشبكات التهريب.
ثانياً: ما يؤكد أن القرار سياسي بإمتياز، هو كون السعودية نفسها وفي كانون الأول من العام 2019 ضبطت شحنة تحمل 10 ملايين و10 آلاف حبة كبتاغون على منفذ حدودي مع الإمارات، ومع ذلك استمر التعاون بين البلدين، ولم يُتخذ أي إجراء لتجميد العلاقة التجارية الثنائية، إذا فالأمور واضحة ولا تحتاج للمزيد من الشرح.
ثالثاً: هذا ليس القرار الأول الذي تتخذه السعودية بحق لبنان لمعاقبته لكونه لا ينتهج سياسة تتوافق مع تطلعات السعودية، ففي السابق منعت السعودية السياح السعوديين من القدوم إلى لبنان وشلت جزء كبير من اقتصاد لبنان، ومع ذلك يعد قرارها الاخير اشد قسوة، لكونه يساهم في انهيار الاقتصاد اللبناني بسرعة كبيرة، فلبنان اليوم يعتمد بشكل كبير على الصادرات الزراعية ليوقف الانهيار الذي تعاني منه البلاد، حيث إن كساد الانتاج الزراعي سيقفل منفذاً مهماً من منافذ إدخال الدولار إلى البلاد بفعل توقف التصدير الى السعودية علما أن نحو 88% من الصادرات اللبنانية هي صادرات زراعية، حصة السعودية منها 50 الف طن قيمتها 24 مليون دولار اي 16% من اجمالي الصادرات. وتستورد السعودية والدول الخليجية التي تمر الشاحنات لتصل اليها بالسعودية من لبنان نحو 173.3 الف طن اي ما نسبته 55.4 % من اجمالي صادرات لبنان من الخضر والفاكهة.
إذا ما يفعله ابن سلمان مع لبنان، واضح وهو محاولة أخيرة لارضاخ الشعب اللبناني واجباره على انتهاج سياسة تتوافق مع السياسة السعودية الجديدة، وتطلعاتها للعلاقة مع اسرائيل، والاهم بالنسبة للسعودية مصادرة سلاح "حزب الله" وهي تعلم ان هذا الامر هو مهمة مستحيلة لا يمكن تحقيقها بأي شكل خاصة في ظل وجود حاضنة شعبية للحزب الذي يدافع عن لبنان، ومع ذلك يضغط ابن سلمان ويطلب ما هو مستحيل، والنتيجة ان هذه الضغوط لن تحقق له اي مكاسب سياسية وانما سمعة غير جيدة في الاوساط اللبنانية وغضب شعبي لبناني اتجاه تصرفات المملكة التي تقدم نفسها على انها "مملكة الخير".