بقلم: فيصل التويجري
المروءة، الشهامة، الشجاعة وغيرها من العبرات التي يعشق الانسان الى سماعها هي عبارة عن صفات كان العرب يتصف بها في السابق، الا أنها باتت يوماً بعد يوم تفتقد وتصبح غير موجودة تماماً وخاصة هذه الأيام، حيث بات العرب على شاكلة صورة قاتمة السّواد، تجلّلها مزاعم الإرهاب والتّخلف والرّجعيّة. هذه الخصالة المهمة والتي تعبر عن العروبة بشكل عام باتت تفتقد أيضاً في مملكتنا بسبب الاستماتة التي يقوم بها النظام السعودي والعائلة الحاكمة أمام اقدام الشيطان الأمريكي. فيوماً بعد يوم يُظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عجز السعودية عن الرد على إهاناته المتكررة والتي تثبت للعالم أجمع أن بقاء آل سعود في السلطة مرهون بالحماية الأمريكية، وأي خلل في هذه المعادلة يعني رحيل هذه العائلة عن سدة الحكم، وما يؤكد ذلك أكثر هو الصمت السعودي عن هذه الإهانات التي استغربها الشعب الذي لم يكن يعتقد أن ملكه عاجز عن الرد على واشنطن.
مرتين في 10 أيام، اهان ترامب ملك السعودية العاجز ومن أمام تجمّع لأنصاره في ولاية فلوريدا ضمن حملة تدعو لإعادة انتخابه رئيساً لأمريكا في العام 2020 قال ترامب:"إن السعودية دولة غنية جداً ليس لديها شيء سوى المال، "فأعتقد أن بإمكانهم (السعوديين) دفع المال مقابل دفاعنا عنهم".
وأضاف: "هناك الكثير من الدول التي ندافع عنها، وليس من العدل أن يدفعوا ثمناً قليلاً، لكنهم سيدفعون، فهم يشترون كمية كبيرة من المعدات مقابل 450 مليار دولار من بلادنا". وتابع: "نحن ندافع عن الكثير من الدول الغنية، وهم لا يحترموننا، بصراحة حينما أطلب منهم ذلك يدهشون ويقولون إنه لم يسبق أن طلب أحد منهم ذلك، لا يقولون ذلك بالمعنى الحرفي، فهم أذكياء لكن يمكنك أن تشعر بذلك من نظرتهم".
وفي أواخر الشهر الماضي قام الشريك الاستراتيجي والصديق الاول والاكبر للنظام السعودي، أفصح ترامب عن مضمون اتصال أجراه مع الملك السعودي، حيث قال له: "أيها الملك، لقد أنفقنا الكثير ونحن ندافع عنك، وأنت تملك الكثير من المال"، حينها قال العاهل السعودي: "لكن لماذا تتصل بي؟ لا أحد أجرى اتصالاً كهذا في السابق"، فقال ترامب: "هذا لأنهم كانوا أغبياء". وأكد ترامب أنه لا يريد أن يخسر حليفاً ثرياً كالسعودية وهي اشترت من بلاده ما قيمته 450 مليار دولار، مضيفاً: "وعسكرياً ندعم استقرارهم". وكان الرئيس ترامب تحدث ثلاث مرات على الأقل في تجمعات سابقة السنة الماضية عن تفاصيل اتصاله بملك السعودية، ومطالبته السعودية بدفع مزيد من الأموال نظير الحماية الأمريكية لبلاده، وفي أكتوبر الماضي، قال ترامب إن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز لن يبقى في السلطة دون دعم الجيش الأمريكي ولو لأسبوعين.
وبسبب كثرت الاهانات واسمرارها بالرغم من الانبطاح السعودي الكامل أمام أقدام سيده الأمريكي، تساءل محللون عن سبب استمرار الصمت السعودي الرسمي أمام اهانات ترامب، فالسعودية تنفذ الأجندة الأمريكية بالكامل من ملئ جيوب ترامب بالمال الى شراء السلاح ومحاربة النفوذ الإيراني وتأييد سلمان وابنه لصفقة القرن وغيرها من الأمور، الا أن ترامب يستمر في إهانة المملكة، فما هي الأسباب وراء استمرار الصمت الملك وابنه على إهانات ترامب؟
ومن هنا يتضح لنا عدة أسباب وهي على الشكل التالي:
1-غرق السعودية في ملفات عديدة أبرزها الملف اليمني والسوري والعراقي وآخرها الليبي والسوداني، وحتى ملف حقوق الانسان داخل المملكة وقتل خاشقجي وغيرها من الملفات جعل من السعودية والنظام الحاكم ينبطح تماماً أمام ترامب وسياسته في المنطقة، وان جرب أحد الأمراء برفع رأسه والتكلم فان ملفات انتهاكات حقوق الإنسان ستفتح في وجه السعودية وعندها لن تكون الأخيرة بخير، والأهم أن التورّط في مقتل خاشقجي كسر شوكة حكام آل سعود أمام الغرب.
2-استماتة ولي العهد السعودي في الوصول الى العرش، فبنظره أن تنفيذ جميع رغبات ترامب سيكون داعمًا رئيسياً له للوصول الى العرش، وتعد أي محاولة لإظهار العداء في وجه واشنطن ستكلفه كرسي الحكم، لأنه يعلم جيداً أن أمريكا هي من توفّر الحماية لعائلته، وبالتالي اللعب خارج الحلبة مع واشنطن سيخرجه من هذه اللعبة، وترامب مدرك جيداً لهذه القضية لذلك لا ينفك يبتزّ السعودية لأنه يعلم أنها لن ترد عليه.
3-بالرغم من قيام أمريكا بإنتاج النفط وتحولها الى أول دولة منتجة الى النفط بعد أن كانت السعودية، يخاف ال سعود أن تتخلى عنهم أمريكا، ففي السابق كانت العلاقة بينهم مبنية على معادلة بسيطة تتمثل بتوفير الحماية من الجانب الأمريكي مقابل توفير النفط من السعودية وشراء الأسلحة من أمريكا، وبقيت هذه المعادلة حتى يومنا هذا إلا أن هناك مجموعة من المتغيرات طرأت حالياً على هذه المعادلة، فمع إنتاج النفط الصخري أصبحت واشنطن ترغب في إخراج السعودية من بعض الأسواق العالمية لتحلّ مكانها، لذلك العلاقة النفعية مع السعودية تغيّرت وتحوّلت إلى منافسة، ومن هنا نرى الانبطاح السعودي الكامل أمام الأمريكي في صورة تعبر عن نفسها لتقول "افعل بي ما تريد ولكن لا تتخلى عني".
في المحصلة ان ترامب وبهذه الأساليب القذرة يكشف عن الوجه القبيح للإدارة الأمريكية ولقيم الزيف والخداع التي تتاجر بها بلاده "العظمى" عالمياً لجني الأموال وفرض الهيمنة على العالم وخاصة العالم العربي... كما انه وبمخاطبته للملك السعودي ونظامه اليوم بلغة ابتزازية بحتة بعيدا عن كل اشكال السياسة او الدبلوماسية المعهودة، لغة المال والبزنس-لا غرابة فيها كونه قد اعلن عن هذا التوجه منذ وقت مبكر... وهو الامر الذي لم تتعامل معه نظام بني سعود بجدية والذي يعد صمتها بمثابة "الرضا" على هذه الإهانات المتكررة لذلك لن نستغرب أن يعمد ترامب لتوجيه مثل هذه الإهانات للمرة السادسة والسابعة وهنا يبقى القرار للشعب الرافض لهذه الإهانات، ولكن هل يفعل شيئاً حيال هذا الأمر، هذا سنتركه للأيام المقبلة.