لايبدو في المدى المنظور أن العام الجديد سيشهد حلاً للأزمة الخليجية التي شهدت انتكاسة جديدة بعد عدة محاولات لرأب الصدع بين قطر ودول الحصار، وكانت نهاية العام الماضي تحمل في طياتها بوادر لإنهاء الأزمة لكن سرعان ما واجهت جميع الحلول حائطاً مسدوداً، وقبل أيام قالت ستة مصادر إن محادثات بين السعودية وقطر لتسوية نزاع مرير انهارت عقب بدئها، ليستمر سريان المقاطعة السياسية والحظر التجاري المفروضان على الدوحة، "بحسب رويترز".
استمرار المقاطعة له أسباب كثيرة تتعلق بتعارض السياسات المختلفة للدول المتنازعة، ويبدو أن الطرفين يرى أن لديه نقاط قوة تمنعه من التنازل للطرف المقابل، ولطالما "لعبة شد الحبل" لا تزال متوازنة فيما بينهم سيستمر الصراع حتى تتغير بعض المعادلات الخارجية التي من شأنها ايجاد حلول لهذه الأزمة التي هزت البيت الخليجي وسيكون لها آثار كبيرة على مستقبل دول مجلس التعاون الخليجي.
ما هي نقاط الخلاف الاساسية؟
أولاً: دول الحصار والمتمثلة بالسعودية والإمارات والبحرين ومصر، قطعت العلاقات السياسية والتجارية وروابط المواصلات مع قطر في منتصف 2017، واتهمت حينها دول الحصار قطر بالتدخل بشؤونها الداخلية، وطالبتها بتغيير سياستها وايقاف بث قناة "الجزيرة" ومطالب اخرى، بالاضافة إلى توجيه تهمة دعم الارهاب لها هذا ما تنفيه قطر جملة وتفصيلا وتقول إن الحظر الذي فرضته الدول العربية يهدف إلى النيل من سيادتها.
الوضع القائم لايزال على ما هو عليه ولا تزال هذه الاتهامات قائمة حتى اللحظة، ورغم جميع المحاولات التي قامت بها الامارات والسعودية لثني قطر عن مواقفها واجبارها على الرضوخ لإرادة آل سعود إلا ان جميع المحاولات باءت بالفشل.
ثانياً: هناك شرخ كبير في الرؤى السياسية لدول الحصار من جهة وقطر من جهة أخرى، حيث كانت دول الحصار تميل إلى دعم الانظمة العربية القديمة ومنع تمدد الثورات العربية إلى دولها، خوفا من اي انقلاب قد يحصل على الأسر الحاكمة، لكن قطر دعمت وان بصورة انتقائية هذه ((الثورات)) وهذا ما اعتبرته دول الحصار خطا أحمر.
الأمر الثاني أن هناك نزاع قوي جدا فيما بينهم في ليبيا، حيث تعاني ليبيا من حالة فوضى منذ الإطاحة بالزعيم السابق معمر القذافي وقتله في عام 2011. واتهم خليفة حفتر، القائد العسكري الليبي الذي تدعمه مصر والإمارات، قطر بدعم "الجماعات الإرهابية"، بينما تحالف حفتر مع الحكومة التي تتخذ من مدينة طبرق الشرقية مقرا لها، تدعم قطر حكومة منافسة تتخذ من طرابلس مقرا لها.
وتميزت قطر بعلاقات جيدة بنظام أردوغان في تركيا، بينما وجهت اتهامات تركية للإمارات بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل، وظهرت قوة العلاقات التركية القطرية، في اقامة قاعدة عسكرية تركية في قطر بمجرد اندلاع الأزمة الخليجية، كما اتهمت دول الخليج قطر بأنها على علاقات ممتازة بإيران، وطالبتها بتقليص تلك العلاقات.
الأمر الثالث: هناك اتهامات موجهة لقطر بدعم "الاخوان المسلمين" واحتوائهم على اراضيها، وحول هذا الموضوع قال وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إن بلاده "لا تقيم علاقة مع الأحزاب أو الكتل السياسية، وإنما مع الدول وحكوماتها الشرعية"، وإنه "إذا حدث وفاز حزب الإخوان المسلمين ووصل بالانتخابات ووصل للسلطة بقرار من الشعب، فإن قطر لا يمكنها تجاهل التعامل معه، لأن قيادة الدولة تتبع لحزب معين"، وأشار إلى "عدم وجود حزب للإخوان المسلمين في قطر أو حتى أي حزب سياسي آخر"، وذلك ضمن حديث اجراه مع قناة الجزيرة في 16 كانون الاول الماضي.
ولايختصر الخلاف في السياسة الخارجية على موضوع دعم "الاخوان المسلمين"، اذ تريد السعودية من قطر ان تغير من طبيعة تحالفاتها مع الدول الاقليمية وهنا نقصد "ايران وتركيا"، اذ ان هناك صراع اقليمي بين المملكة وكل من طهران وانقرة، إلا أن الدوحة لم تبد اي استعداد لقطع علاقتها مع هاتين الدولتين اللتين كانتا مفتاح الحلول لقطر عندما تم حصارها برا وبحرا وجوا، وحتى لو استغنت قطر عن هؤلاء الحلفاء ما هو الضمان بأن الرياض لن تقدم على اي عمل آخر.
ثالثاً: هناك غضب عارم لدى آل سعود من نجاح قطر في تخطي الحصار وعدم فشلها في أي ملف خارجي، بل على العكس تحسنت مكانتها الدولية عاما بعد عام بينما تراجعت مكانة آل سعود، لاسيما بعد جريمة مقتل خاشقجي والغرق في وحل اليمن، اما قطر التي تبني علاقات ممتازة مع دول اقليمية كبرى وأقطاب عالمية، تمكنت من تعميق هذه العلاقات وها هي تمضي نحو استقبال مراسم كأس العالم في الدورة المقبلة وفي حال استمر الحصار الى ذلك الحين وتمكنت قطر من انجاح هذه المناسبة ستكون صفعة قوية لدول الحصار وستعزز قطر في المقابل مكانتها الدولية والعالمية.