بقلم: عبد العزيز المكي
أثارت الأحكام التي أصدرها قضاء ال سعودي ضد "قتلة" أو المتهمين بقتل الصحافي جمال خاشقجي العام الماضي ردود فعل واستنكار عارمة من الأوساط أو من بعض الأوساط الإعلامية والسياسية، ومن منظمات متهمة بحقوق الإنسان إقليميا ودولياً، لأن هذه الأحكام جاءت منافية للعدالة ولم تنصف الضحية، بمعاقبة القتلة الأساسيين، حيث حكمت المحكمة المختصة بمحاكمة المتهمين بقتل خاشقجي بالإعدام على خمسة أشخاص وسجن ثلاثة آخرين بممدد زمنية أقصاها 24 سنة، فيما برأت أحد عشر شخصاً لعدم ثبوت الأدلة!! وفيما لم تشر أو تذكر المحكمة أسماء الذين سيعدمون، فأنها برأت الثلاثة الذين يعتبرون بنظر الأساسي والرئيسي في قتل خاشقجي وتقطيع جثته وإخفاء معالمها إلى الأبد، وهم مستشار بن سلمان، أو كبير مستشاري الديوان الملكي سعود القحطاني، ورئيس مخابرات ال سعود أحمد العسيري بالإضافة إلى قنصل ال سعود في اسطنبول محمد العتيبي، فهؤلاء الثلاثة كانوا من حيث التخطيط والتنفيذ لهم الدور الأساسي كما أشرنا في تنفيذ الجريمة المروعة..
ومما جعل ردود الاستنكار والانتقاد لهذه الأحكام، أكثر شدة وانتقاداً من الأوساط المشار إليها، سيما الأوربية منها، هو أن هذه الأحكام كرست صورة هزالة قضاء ال سعود، وخضوع هذا القضاء لإرادة الحاكم أي بن سلمان دون أن يكون هناك حضوراً للقانون، إن وجد القانون، أو يكون هناك حضوراً للعدالة والأنصاف، إنما الأمور تخضع لما يقرره بن سلمان وجلاوزته دون أن يكون هناك دفاع، أو حتى سماح للضحية بالتعبير عن رأيه ولو لمرة واحدة، ذلك أن الأحكام التي أصدرتها المحاكم السعودية بحق من اتهمتهم بقتل خاشقجي اصطدمت بشكل صارخ مع الأدلة الدافعة والمتواترة التي أكدت والى حد اليقين تورط القحطاني والعسيري ومن لف لفهم، فالمدعي العام السعودي شعلان راجح الشعلان، أعلن انه لا نية مبيتة لقتل خاشقجي، وإنما جاءت عملية القتل نتيجة تصرف لحظة، في حين أن كل الأدلة التي سربتها الأوساط التركية، وهي عبارة عن تسجيلات لأجهزة تنصت وكاميرات كانت المخابرات التركية قد زرعتها في القنصلية السعودية في اسطنبول، تؤكد أن العملية كان مخطط لها وارتكبت عن سبق إصرار بدليل جلب الطبيب صلاح الطبيقي المنشار الخاص بتقطيع جثة الإنسان، وإلا بماذا يفسر جلبه هذا المنشار من السعودية إلى تركيا إلى القنصلية السعودية فيها!؟ ذلك بالإضافة إلى عشرات الأدلة الأخرى، يضاف إلى ذلك أن الشعلان نسي ما كان قد قاله في بيانه الصادر بتاريخ 15 تشرين الثاني 2018 عندما أكد أن سعود القحطاني كان أحد المسؤولين السعوديين العالي المستوى الذين شاركوا بشكل مباشر في المهمة، وهو الذي كان قد قيل عنه انه اتهم خاشقجي بكونه يشكل خطراً على الأمن الوطني السعودي.
وإلى ذلك فإن قيام سلطات المملكة بفصله عن منصبه بعد الإعلان عن الجريمة مباشرة يشير إلى إقرارها بدوره ومسؤوليته في الجريمة.. كما أن تقرير المحققة الأممية أغينيس كالامارد أكد أن كلا من القحطاني والعسيري من أبرز المتورطين في الجريمة، فهذه المحققة اعتمدت في تثبيت هذا التورط نوعين من الادلة، ظرفية وأخرى توصلت اليها التحقيقات الأخرى، ويأتي على رأس الأدلة الظرفية تقرير وزارة الخزانة الامريكية الذي فرض عقوبات على القحطاني باعتباره مسؤولاً رفيعاً في الحكومة السعودية اضطلع بدور أساسي في تخطيط وتنفيذ الجريمة، وان الجريمة تم تنسيقها وتنفيذها بواسطة مرؤوسه ماهر المطرب، المسؤول الرفيع في استخبارات ال سعود الذي ظهر وهو من ضمن حاشية بن سلمان في رحلاته الخارجية.
هذا بالإضافة إلى تقرير شركة (كرول) التي استعانت بها السعودية لتبرئة بن سلمان من الجريمة، لكن رغم أن نظام ال سعود استأجرها لخلق أدلة تبرئ بن سلمان، إلا أنها أكدت التواصل بين بن سلمان والقحطاني عشية ارتكاب الجريمة عبر تبادل الرسائل على الواتساب وبما يؤكد مسؤولية الاثنين عن ارتكاب الجريمة بواسطة أدواتهما المطرب والطبيقي وبقية الجوقة.. وفيما يخص النوع الثاني من الأدلة فأن كالامارد استمعت إلى مكالمات والى فيديوهات قدمتها لها المخابرات التركية، وتيقنت بما لا يقبل الشك عن مسؤولية بن سلمان شخصياً ومساعديه القحطاني والعسيري عن ارتكاب الجريمة وعن سبق إصرار وترصد..
وفضلاً عن ذلك فأن التحقيق الذي توصلت إليه السي آي أي الأمريكية اعتماداً على عملائها، وعلى أجهزتها التجسسية ورصدها لمكالمات وأحاديث فريق الموت السعودي الذي نفذ الجريمة قبيل وأثناء الجريمة وبعدها، وأيضاً رصد مكالمات هذا الفريق وأحاديثه مع القحطاني والعسيري، واتصالات القحطاني والعسيري مع بن سلمان.. نقول ان هذا التحقيق أوصل مديرة السي آي أي جيناها سبل إلى قناعة بأن بن سلمان والقحطاني والعسيري مسؤولون مسؤولية مباشرة عن ارتكاب الجريمة، وهذا ما أدلت به مديرة السي آي اي أمام الكونغرس الأمريكي..
وهناك الكثير من الأدلة والقرائن التي تؤكد عكس ما توصلت محاكم ال سعود، وهذه الأدلة وغيرها مما ذكرنا، هي التي جعلت الأوساط التي انتقدت أحكام ال سعود، تستهزئ بمحاكم ال سعود، وهي التي جعلت انتقاداتها وردود أفعالها واستنكاراتها لهذه الأحكام تقر بما يلي:
1ـ إن المحاكم التي أعلنت عنها سلطات ال سعود بخصوص من اعتبرتهم متورطين في تصفية خاشقجي، هي محاكم صورية، وحتى إخراجها هزيل، جرت وراء الكواليس، لا يتوفر فيها للمتهمين دفاع، ولا تتوفر أدنى مستويات الشفافية والعدالة وهذا ما أشارت الأوساط المذكورة إليه بوضوح.
2ـ محاولة خداع الرأي العام، كما تقول صحيفة الميدل آي البريطانية، بهدف تبرئة بن سلمان ومحاولة التخلص من طيف هذه الجريمة، الذي شكل كابوساً لبن سلمان ظل وما يزال يلاحقه ويطارده حتى منامه ويقض مضاجعهُ..
3ـ محاولة بن سلمان منح الرئيس ترامب مبررات مواجهة الضغوط التي يتعرض لها من قبل الكونغرس الأمريكي مجلس النواب خصوصاً، لكشف ملابسات مقتل خاشقجي ولمعاقبة بن سلمان، سيما وان الكونغرس أمهل مؤخراً البيت الأبيض شهراً لكشف ملابسات هذه القضية واتخاذ الموقف المناسب من بن سلمان، فيما لو ثبت تورطه في الجريمة..
4ـ محاولة إقناع الرأي العام الأوربي، والحكومات الأوربية بأن ابن سلمان برئ من هذه الجريمة، وبأن قضاء ال سعود أقتص من قتلة خاشقجي، وبالتالي طي صفحات هذا الملف ونسيانه، لأن بقائه مفتوحاً ظل يشكل أرقاً لبن سلمان كما أشرنا، وظل يشكل عائقاً أمام مجالات التعاون مع بعض الأوساط الأوربية الرسمية خوفاً من ردة فعل الرأي العام الأوربي، الذي اعتبر بن سلمان مجرماً وقاتلاً وسفاحاً.
5ـ إيجاد أجواء هادئة لتمرير وإنجاح قمة العشرين، التي من المقرر أن تعقد في السعودية، فما دام ملف الجريمة مفتوحاً، فيمكن أن يعتذر أحد الأطراف المشاركين في هذه القمة عن الحضور والمشاركة تجنباً للانتقادات التي يتعرض لها بسبب تورط بن سلمان بهذه الجريمة والجرائم الأخرى التي اقترفها وما يزال، سواء داخل البلاد أو في خارجها في اليمن وفي مناطق أخرى.
وفي ضوء ما تقدم فأننا يمكن أن نثبت حقيقة واضحة عبرت عنها ردود الأفعال والمواقف الرافضة لهذه الأحكام، هي أن أحكام ال سعود وقضائهم، ما هو إلا مهزلة، فمنظمة العفو الدولية اعتبرت الأحكام الصادرة بإعدام خمسة أشخاص مجهولين إنما هو محاولة للتستر عن الجريمة..
وذكرت لين معلوف مديرة أبحاث الشرق الأوسط في المنظمة "أن محاكم المملكة العربية السعودية تمنع بشكل روتين المتهمين من الاتصال بمحامين وتدين الأشخاص بالقتل بعد محاكمات جائرة للغاية، وبالنظر إلى انعدام الشفافية من جانب السلطات السعودية، وفي غياب القضاء المستقل، لا يمكن تحقيق العدالة لجمال خاشقجي إلا عبر تحقيق دولي ومستقل ونزيه".
في السياق ذاته، وصف رئيس دائرة في الرئاسة التركية، فخر الدين ألطوني، قرار القضاء السعودي حول قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي بأنه مجرد " إستهزاء بذكاء العالم بأسره ". بل أكثر من ذلك اعتبر ألطوني الأحكام السعودية فضيحة.. وكما أشرنا في سياق الحديث فأن مقررة الأمم المتحدة الخاصة اغينيس كالامارد اعتبرت الأحكام السعودية مدعاة للسخرية، فيما ندد الأمين العام المنظمة "مراسلون بلا حدود" كريستوف ديلوار، بتبرئة المتهمين الرئيسيين بقضية مقتل خاشقجي، ووصف ذلك بأنه أمر لا يحترم العدالة الدولية وفق ما نقلته وسائل إعلام غربية بينها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية. وفق ما نقلته وسائل إعلام غربية بينها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية. أما في أمريكا فقد سارعت هيئة تحرير صحيفة الواشنطن بوست إلى وصف الأحكام الصادرة في السعودية بحق من ادعت بأنهم قتلة خاشقجي، بأنها "عدالة مزيفة". وقالت في افتتاحيتها: أن "هذه النتيجة ترقى إلى مستوى الاهانة ليس فقط لعائلة خاشقجي، ولكن أيضاً لكل من طالبوا بإجراء مساءلة حقيقية في القضية، ومنهم أغلبية نواب الكونغرس في كلا الحزبين".
من جهتهم أعرب عدد من الأعضاء في الكونغرس الأمريكي عن معارضتهم للأحكام السعودية، وغرد السناتور بيرني ساندرز على تويتر قائلاً: "خلصت وكالة المخابرات المركزية (سي آي اي) إلى أن ولي عهد السعودية هو الذي أمر بقتل خاشقجي. هذه المحاكمة الصورية التي أجراها نظام استبدادي، يضرب بالقوانين عرض الحائط، تبدو أشبه بمحاولة للتستر على الجناة الحقيقيين " وأضاف ساندرز قائلاً: " ربما يريد دونالد ترامب التوقف عن إعلان حبه ومودته تجاه الدكتاتورية السعودية.. ترامب أيضاً مذنب".
السناتور الديمقراطي تيم كين هو الآخر استشهد بتقييم السي آي اي الذي أكد أن بن سلمان وراء قتل خاشقجي، وقال: "يواصل كبار المسؤولين السعوديين التهرب من المساءلة عن عملية القتل التي راح ضحيتها جمال خاشقجي برعاية الدولة". أما السناتور رتيشارد بلومنتال فقد ألقى باللوم مباشرة على ترامب وقال: "بعد المحاكمة الصورية، ها هي العقول المدبرة لعملية القتل الوحشية لجمال خاشقجي تفلت بجريمتها دون عقاب" وأضاف: "ان ترامب أيضاً مذنب، لأنه لم يفعل شيئاً يذكر لمحاسبة ولي العهد على قتل صحفي شجاع يبحث عن الحقيقة" بحسب قوله.
كما عارض عضو الكونغرس آدام شيف، الذي يرأس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب تأكيد المدعي العام السعودي بأن قتل خاشقجي لم يكن متعمداً وغرد شيف على توتير قائلاً: "إن هذا الحكم إنما هو استمرار لجهود المملكة الرامية للنأي بالقيادة السعودية، ومن بينها ولي العهد، عن الاغتيال الوحشي للصحافي جمال خاشقجي الذي كان مقيماً في الولايات المتحدة " وأضاف شيف قائلاً: " أن هذا كان قتلا عمداً، مع سبق الإصرار والترصد، وليس قراراً مفاجئاً أو عملية مارقة حدثت بدون علم القيادة السعودية".
هذا غيض من فيض حملة الاستنكار والاستهجان الغربية وكلها تؤشر الى أمرين هما:
فشل نظام ال سعود في ستر عورة قضائهم، فبهذه الأحكام تعرّى هذا القضاء وبانت حقيقته المزرية أمام العالم، والتي كنا وغيرُنا يردد أن هذا القضاء صوري "قراقوزي" حيث لا يوجد قضاء بالمعنى الذي تدل عليه هذه الكلمة أو هذا المصطلح، وإنما جسم هملامي يتحرك من ألفه إلى يائه بأوامر سلمان وابنه محمد، فيما كانت الأوساط الغربية نفسها تكابر وتعتبر أن هناك قضاء في المملكة السعودية! خلافاً للحقيقة، لان بريق المال السعودي أعمى عيون هذه الأوساط عن رؤية تلك الحقيقة طيلة الفترة الماضية للأسف. يضاف إلى ذلك أن هذه الأحكام "القراقوزية" بنظر الأوساط الغربية والأمريكية، مزقت كل أغطية التضليل والخداع، وعمليات التزويق التي كان نظام ال سعود بملايينه "الدولارية" ينسجها حول هذا القضاء المزيف لإخفاء وجهه الحقيقي، وظل طيلة العقود الماضية يتلطى هذا القضاء وراءها !!
كل ذلك كشف حقيقة صادمة، وهي أن نظام ال سعود يعلم جيداً أن العالم يرصد محاكمات قتلة خاشقجي، أي أن هذه المحاكمات والأحكام التي تصدر عنها تحت الرصد من قبل الأوساط الدولية والاقليمية، بل حتى تحت رصد الحليف الأمريكي، ولذلك أخذ نظام ال سعود كل الاحتياطات اللازمة، التي تجعل قضائه يظهر بصورة لائقة ومقبولة ومحترمة، فإذا كانت الصورة المحترمة للقضاء السعودي، بهذا الشكل المزري الذي وصفه به الغربيون والأمريكان، فكيف بهذا القضاء الذي لا يخضع للرصد والمتابعة والترقيب من جانب الأوساط الغربية والأمريكية؟ بالتأكيد انه من الهزالة وانعدام العدالة ومن السخرية وممارسة الظلم المدقع بحق من اعتقلهم النظام واعتبرهم "مجرمين لمخالفتهم إياه بالرؤية أو بالسياسة، سيكون أكثر من هزالة وسخرية وسخافة محاكم قتلة خاشقجي بمئات المرات بل أكثر من ذلك، وهذا ما يكشف مجدداً، ويؤكد أيضاً مظلومية المعتقلين في البلاد، خصوصاً من أبناء المناطق الشرقية من الأحساء والقطيف الذين يتآمر عليهم الأمريكي والصهيوني ويساهمان الى جانب النظام في قتلهم وملاحقة نشطائهم، بدعوى أنهم يشكلون خطراً على مصالحهم!! لأنهم بذريعة "اتباع لإيران" وما إلى ذلك من الادعاءات والتهم الزائفة التي توجه إليهم..
وبدون شك إن اعتراف الغرب وأمريكا بهزالة محاكم ال سعود والقضاء في مملكتهم، إنما يؤكد مسؤولية هذا الغرب في الجرائم التي يمارسها هذا النظام الاستبدادي بحسب توصيف بعض السناتورات الأميركان بحق أبناء المناطق الشرقية، ويؤكد دور هذا الغرب في تشجيع طغمة آل سعود في الإيغال في ممارسة محاكمة بإصدار الأحكام الجائرة بحق أبناء تلك المناطق، وأبناء كل المناطق والمدن في بلاد الحرمين.