الكاتب جمال حسن
ذكرت مسبقاً في احدى مقالاتي من أن زلزالاً مدوياً سيضرب شبه الجزيرة العربية عما قريب، يدفع بانهيار الأنظمة الموروثية الجاثمة على رقاب شعوبنا الواحدة تلو الاخرى، تبدأ بخروج مذل للداعم الرئيسي البوفالو ترامب من البيت الأبيض يعقبه سقوط مخزي للحليف الاقليمي نتن ياهو وهكذا تستمر الأمور نحو المعنيين.
التخوف من هذا المستقبل المشؤوم يفسر الصمت المطبق لأنظمتنا الخليجية الرذيلة أمام أحداث فلسطين المحتلة وما يجري من قتل ودمار وقمع وحشي من قبل العدو الصهيوني في القدس والضفة المحتلتين وكذا في غزة الدامية.
لكننا نرى أن هناك عمل حثيث وجاد من قبل هذه أنظمتنا العميلة للضغط على المقاومة الفلسطينية وداعميها لوقف الحرب القائمة بذريعة الحد من قتل الأبرياء نجحت نوعاً ما في إغفال واستغفال بعض سياسيي الفلسطينيين، فيما القرار هو لغرفة العمليات المشتركة.
فقد قال أحدهم أن "السعودية والإمارات ومصر وسلطة عباس قلقون جدا، ليس من ضغط الرأي العام بسبب القمع الإسرائيلي وقتل المدنيين، لكن بسبب التصاعد السريع للأحداث باتجاه إسقاط هيبة إسرائيل خاصة بعد تحرك فلسطينيي الداخل، وهناك خوف حقيقي عندهم من أن تتجه الأزمة لتفكك ثم انهيار المشروع الصهيوني" أي نجاح اجتثاث الغدة السرطانية من جسد الأمة.
بالأمس القريب قالها محمد بن سلمان بعلو صوته دون خجل أو استحياء خلال لقاء جمعه وعدد من من أبرز زعماء اللوبي الصهيوني الأميركي في نيويورك، أن "الموضوع الفلسطيني لا يقف على رأس أولويات حكومة السعودية ولا في أوساط الرأي العام السعودي..!!"- وفق صحيفتا هآرتس الإسرائيلية وإندبندنت البريطانية.
وزاد نجل سلمان وقاحته بخصوص قضية الأمة الأولى بقوله لمن التقاهم: "لقد أضاعت القيادة الفلسطينية على مدار الأربعين عاماً الماضية الفرصة تلو الأخرى، ورفضت كل الاقتراحات التي قدمت لها، آن الأوان لأن يقبل الفلسطينيون الاقتراحات المعروضة عليهم، وأن يقبلوا بالحضور لطاولة المفاوضات، أو فليصمتوا ويتوقّفوا عن الشكوى".
ففاجأت تصريحات بن سلمان هذه زعماء اليهود المتطرفين المجتمعين معه من بينهم رؤساء لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) والاتحادات اليهودية لأميركا الشمالية،ورابطة مكافحة التشهير، والمنظمة العالمية للدفاع عن اليهود، ومنظمة "بناي بريث" الصهيونية، وجميعها حركات يهودية.
واليوم سرعان ما أعلن نجل سلمان الأرعن واستاذه المنبطح استعدادهما لدفع تكاليف ما حل من دمار في الضفة المحتلة وقطاع غزة، على حساب الدم البريء الذي سال دون ذنب وعلى حساب لقمة عيشنا حيث تعودنا نهبهم ورشاهم وخيانتهم لقضايا الأمة منذ عقود طويلة خلت.
هذا العرض المغري سرعان ما لاقى استجابة لدى رئيس السلطة الفلسطينية فحرك قواه الأمنية البالغة نحو 60 ألف عنصر لمساعدة الحليف الصهيوني الذي طالما صرح بضرورة الحفاظ على أمنه واستقراره، وذلك لكبح جماح الشارع الفلسطيني في الضفة ليتفرغ الاحتلال في ذبح غزة وشعبها بدم بارد.
ثم هناك من سرب حواراً هاتفياً بين المحمدان بخصوص عرض بن زايد على رئيس وزراء كيان العدو باستقدام مرتزقة الإمارات المتواجدين في يمن العز والشموخ لمساعدة القوات الصهيونية في قمع الداخل الفلسطيني على حساب الرياض وأبوظبي، حيث واجهت هذه الفكرة الشيطانية موافقة أبو منشار.
أنه كره شديد يحمله محمد بن سلمان لفلسطين وشعبها وقضيتها، محرماً وذراعه الديني من وعاظ عرشه ليس التظاهر دعماً للمقاومة الفلسطينية وتنديداً بما يدور من مجازر في غزة والضفة المحتلة، بل وحتى مناصرتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي فأنه ذنب لا يغتفر دفع به لاعتقال مئات الفلسطينيين المقيمين في بلاد الحرمين منذ سنوات طوال، لا يعرف مصيرهم بعد.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا كل هذا الكره والضغينة التي يحملها "بن سلمان" على القضية الفلسطينية حتى يكون السجن والتنكيل والتعذيب مصير كل ناشط أو مفكر أو داعية أو عالم أو جامعي من كلا الجنسين إن كتب شيئاً أو صرح بكلمة أو أظهر تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة؟؟.
ولا زالت تصريحات مفتي عام المملكة رئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، المنددة بالتظاهرات التي انطلقت في العديد من الدول العربية والاسلامية لنصرة الفلسطينيين في قطاع غزة في ما عرف 'بيوم الغضب'، بانها "اعمال غوغائية وضوضاء لا خير منها.. المظاهرات أعمالاً تخريبية تصد الناس عن ذكر الله!!"، انها فتوى في مسار العرش وريالاته؛ تصدح في أرجاء بلاد الحرمين.
فلا يختلف أثنان من أن الخيانة متجذرة في أصول آل سعود وأن ما يفعله "بن سلمان" الآن له جذور وآثار تمتد لجده المؤسس وليس وليد اللحظة، وهي تحقيق لوعد عبد العزيز الذي قطعه على نفسه للضابط البريطاني "بيرسي كوكس" سنة 1915 بما وثقه بخط يده.
فقد كتب عبد العزيز لسيده البريطاني آنذاك ودون استحياء، "أنا السلطان عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل السعود أقر واعترف ألف مرة، للسير برسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى، لا مانع عندي من أعطي فلسطين للمساكين اليهود أو غيرهم وكما تراه بريطانيا التي لا أخرج عن رأيها, حتى تصيح الساعة".
واليوم يرى الحفيد أنه من الضروري تنفيذ ما أملاه جده في خيانة قضية الأمة الأولى والمضي قدماً في تحقيق ذلك، ولا ننسى مليارات الدولارات التي قدمها قبل عامين لمحمود عباس لقبوله "صفقة القرن" إرضاءً لراعي البقر ترامب والتي أفشلها سلاح المقاومة وصواريخها التي باتت تدك كل نقاط كيان الاحتلال ليدب الرعب في صفوف قطعان المستوطنين.
لم يعد خافياً على أحد من أن كل مشاريع ومخططات آل سعود بتمزيق الأمة العربية وتشتيت وحدة صف المسلمين وكلمتهم وتدمير بناهم التحتية ودفعهم نحو التناحر الطائفي والقومي، تصب في مصلحة الكيان الاسرائيلي- وفق قول تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق: إن "إنشاء الكيان السعودي هو مشروع بريطانيا الأول، والمشروع الثاني من بعده إنشاء الكيان الصهيوني بواسطته"- من مذكرات (حاييم وايزمان) أول رئيس للكيان الصهيوني.
في هذا الأثناء وجه عضو المجلس السياسي الأعلى محمد على الحوثي في اليمن، دول تحالف العدوان خاصة السعودية والامارات لإيقاف المعركة الدائرة في مأرب، وتوحيد القوة المتواجدة فيها من الطرفين، من أجل الذهاب الى فلسطين وتحرير الأقصى، حيث المعركة الحقيقية هي تحرير الأقصى وليس صنعاء.
العرض قوبل برفض كلا الطرفين المعتديين لأن "الحرب على اليمن تدخل في مصلحة إسرائيل، وهي فرصة لقطف ثمار استراتيجية حيوية لأمنها.. حيث تجد إسرائيل نفسها مرة أخرى في الجانب ذاته من المتراس مع الدول السنية المعتدلة مثل السعودية.. أنها المصلحة المشتركة لإسرائيل والسعودية والدول الخليجية"- من مقال تحت عنوان "ساعة اليمن تدق" للكاتب "فيشمان" الخبير الأمني في صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية.
هذه الأنظمة العميلة والمنبطحة والساعية لضمان أمن ومصالح الدويلة الصهيونية على أقدس أرض للأمة، سرعان ما أوصدت أبوابها وشبابيك قصورها الزجاجية كي لا تسمع قعقعة تحطم عروشها الخاوية وقرب انهيار أنظمتها الديكتاتورية فور سقوط بيت العنكبوت في القريب العاجل.
"القدس عروس عروبتكم من باع فلسطين وأثرى بالله سوى قائمة الشحاذين على عتبات الحكام ومائدة الدول الكبرى؟.. تتحرك دكة غسل الموتى أما أنتم.. لا تهتز لكم قصبة.. ماذا يدعى استمناء الوضع العربي أمام مشاريع السلم.. وشرب الأنخاب مع السافل (نتنياهو)؟.. يا أمراء الغزو فموتوا" - من قصيدة للشاعر العراقي الشهير مظفر النواب.