لاشك بأن الحرب على اليمن شكلت مفصلاً تاريخياً مهماً في مسار حكم آل سعود، ونحن نجزم بأن ما يحصل في اليمن له انعكاسات واضحة على السياسة السعودية الخارجية والداخلية، حيث أن الفشل الذي رافق المملكة السعودية طيلة سنوات الحرب الخمسة الماضية أثر بشكل واضح على اقتصاد المملكة ومكانتها وعلاقاتها، وتحولت هذه الحرب إلى نزاع اقليمي وضع السعودية امام تحدي "كشف القدرات"، اذ لم تتمكن السعودية من صد هجمات "انصار الله" طيلة سنوات الحرب الأمر الذي سبب لها ولمنظموتها الدفاعية التي اشترتها بمليارات الدولارات احراجا كبيرا، ما اجبرها للجوء نحو المفاوضات والتي كانت قصيرة الآمد بطبيعة الحال نظرا لتشعب الصراع الدائر في اليمن وانقلاب التحالف على ذاته بعد ان اتضح تعارض المصالح بين دول التحالف ويفترض الغاء كلمة "التحالف" من قاموس الصراع في اليمن، لأن هذا التحالف الذي كان يعمل على تقسيم اليمن واجه هو نفسه أزمة تقسيم نتج عنها انسحاب الدول التي كانت شريكة في هذا التحالف ليبقى منها السعودية والامارات، والاخيرة لايمكن التعويل عليها كثيرا لأنها أكثر من طعن السعودية في الظهر ومع ذلك لاتزال تحاول الحفاظ على شكل العلاقة والتحالف حتى الوصول الى بر الأمان والحصول على مبتغاها هناك.
خلافات عميقة
أن تنتصر السعودية في حرب اليمن هذا أمر أصبح من الماضي، لأن المملكة اليوم تبحث عن آلية للخروج من مستنقع اليمن وايجاد وسيلة لاقناع "انصار الله" بالجلوس إلى طاولة المفاوضات مجددا، خاصة بعد تعاظم قدراتهم العسكرية، وتمكنهم من السيطرة على محافظة الجوف والقسم الشمالي من البلاد، وبالتالي فإن الحديث عن مواجهة النفوذ الايراني والقضاء على "انصار الله" أصبح طي النسيان.
ما فعلته الامارات مع السعودية خلال العامين الماضيين، كان بمثابة خيانة كبرى، حيث انفردت الامارات عن طريق مليشياتها في الجنوب بإدارة المناطق الجنوبية وابعدت هذه المناطق عن الحضانة السعودية، وتم ابعاد حلفاء آل سعود من مناطق انتشار حلفاء الامارات، ، ما أجبر الحكومة على الخروج من عدن في أغسطس 2019، وشهدت التوترات حالات مثل حصار المجلس الانتقالي الجنوبي لقصر "المعاشق" الرئاسي في عدن في يناير 2018، وسقوط الحكم في عدن لصالح قوات "الحزام الأمني"، ومحاولة قوات النخبة في شبوة السيطرة على "عتق" في يونيو 2019. حاليا الامارات تعمل على التهدئة مع السعودية، وسحبت قبل أشهر عددا من قواتها، لايصال رسالة للمملكة بأنها تحاول الحفاظ على وحدة التحالف واواصر الصداقة بينهما، لكن في الحقيقة كانت الامارات قد حققت جزءا كبيرا مما كانت تبحث عنه، حيث تمكنت من شرعنة "المجلس الانتقالي الجنوبي" بعد ان كان مليشيا قامت بتدريبها خلال سنوات الحرب، وبالتالي أصبح تواجد مليشيات الامارات في المناطق الجنوبية شرعيا بالنسبة للسعودية وما يسمى "الحكومة الشرعية".
عدم انسحاب آل سعود من اليمن سيكون مكلفا لاقتصاد المملكة الذي يعاني بسبب انخفاض أسعار النفط واندلاع حرب نفطية مع روسيا، والأهم أن السعودية اليوم عائمة على رمال متحركة بعد ان وضعت كل ثقتها بالادارة الامريكية وبشخص الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي أصبح يواجه مصيرا معقدا فيما يخص الانتخابات الرئاسية المقبلة وقد يكون فوزه مستحيلا في ظل الظروف الحالية التي تعيشها الولايات المتحدة.
بينما يواجه مستقبل اليمن مصيرا مجهولا، لايزال ابناء اليمن يتحملون الثمن الباهظ لهذه الحرب الاجرامية، ولا تزال تُرتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك ما قد يصل إلى جرائم حرب، في جميع أنحاء البلاد. وبحسب منظمة العفو الدولية بحلول نهاية 2019، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 233 ألف يمني لقوا مصرعهم نتيجة القتال والأزمة الإنسانية. في غضون ذلك، وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مقتل وجرح أكثر من 200 ألف مدني في القتال منذ مارس/آذار 2015. وقد اشتدت أزمة إنسانية من صنع الإنسان مع ما يقرب من 16 مليون شخص يستيقظون جوعى كل يوم.