بقلم عبد الرحمن الهاشمي
في اللحظة التي تواصل فيها (إسرائيل) ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية ضد المدنيين الفلسطينيين، وتحت وقع المجازر اليومية في غزة والتوسع الاستيطاني المحموم في الضفة، يخرج علينا "عوفر برونشتاين"، المستشار الصهیوني للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لشؤون الشرق الأوسط، ليعلن عن مؤتمر فرنسي- سعودي مرتقب الأسبوع المقبل، مؤتمر قيل إنه يهدف إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية كما يتضمن إعترافا عربيا ب(اسرائيل)، فيما يبدو أنه إخراج مسرحي سياسي فج لمشهد إقليمي يتداعى تحت وطأة التواطؤ والتطبيع وموت الضمير الأخلاقي.
ورغم الطابع "التمويهي" للمبادرة (الإعتراف بدولة فلسطينية) فإن جوهرها الحقيقي ليس سوى مساهمة جديدة في تكريس مشروع تصفية القضية الفلسطينية، عبر صفقة مزدوجة؛ ما بقي من العرب "يعترفون" بـ(إسرائيل)، مقابل اعتراف زائف وسوريالي بـ"دولة فلسطينية" لا يعرف أحد حدودها، ولا موقعها، ولا حتى قدرتها على الوجود في ظل واقع الاحتلال والإستيطان. أين هي هذه الدولة التي يُفترض الاعتراف بها؟ هل على أنقاض غزة التي تُقصف وتُجرف ويُهجر أهلها؟ أم على أطلال الضفة الغربية التي يبتلعها الاستيطان تحت حماية الجيش الإسرائيلي والقوانين العنصرية؟ وهل يُعقل أن يجري الحديث عن "حل الدولتين" وقد تبنى الكنيست الإسرائيلي بأغلبية ساحقة بتاريخ ١٧/٧/٢٠٢٤ قرارا ينص على رفض إقامة دولة فلسطينية، وذلك للمرة الأولى في تاريخه؟ بل إن المؤسسة السياسية الإسرائيلية باتت تُجرّم حتى مجرد النقاش حول أبسط الحقوق الوطنية للفلسطينيين.
وتبقى المفارقة المؤلمة أن هذا المؤتمر لا يُعقد في سياق دعم ولو شكلي للفلسطينيين وهم يتعرضون للإبادة ومخاطر التهجير الذي قد يطال الضفة الغربية نفسها، بل كغطاء مضلل لتمرير المرحلة الثانية من التطبيع العلني بين بعض الأنظمة العربية والكيان الصهيوني. إنّها محاولة لإقناع الشعوب العربية والإسلامية؛ المذهولة مما يجري في غزة من إبادة؛ بأن قبول (إسرائيل) بات ثمنا معقولا مقابل "الاعتراف بدولة فلسطين" مع أن الواقع يثبت أن هذا الاعتراف، حتى لو تم شكليا وهذا مستحيل، فلن يُغيّر شيئا من جوهر الاحتلال.
ويبقى أنّ الطرف العربي الأبرز في هذه المسرحية ليس سوى النظام الحاكم في مملكة الظلام، الذي بات يكرّس نفسه كعرّاب لصفقات التطبيع الجديدة. هذا النظام، الذي لطالما قدّم نفسه كمدافع عن "قضايا الأمة"، ينتقل الآن وعلى المكشوف لموقع من يضغط باتجاه إعادة تشكيل المنطقة على أسس تتماشى مع مصالح واشنطن وتل أبيب ووفق مشروع الشرق الأوسط الجديد. فمنذ مجيء محمد بن سلمان، اختفت فلسطين تدريجيا من الخطاب الرسمي، وحلّ محلها خطاب "التحوّل الاقتصادي" و"الانفتاح" و"التنمية"..شعارات لا تُخفي حقيقة أنّ (السعودية) ليس فقط تخلّت عن القضية الفلسطينية بل لقد استلت "المنشار" العتيد لذبحها والتطويح بإسمها من أي جدول أعمال عربي.
لكن النفاق السياسي لا يتوقف عند حد هذا المؤتمر المزمع عقده، فقبل أيام فقط، منعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي وفدا من وزراء الخارجية العرب من دخول الضفة الغربية للقاء رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بينهم الوزير فيصل بن فرحان آل سعود. ورغم فداحة هذه الإهانة السياسية، لم يصدر عن وزير خارجية النظام السعودي سوى تصريح باهت وصف المنع الإسرائيلي بأنه "دليل على أن (إسرائيل) لا ترغب في السلام". وكأن المسألة تتعلق بسوء تفاهم أو موقف مزاجي، لا بمنهجية راسخة لدى كيان استيطاني عنصري قائم على إذلال حتى المطبعين. وزير خارجية مملكة الظلام لم يتجرأ على التفوّه بفرض أي إجراء عقابي، ولو دبلوماسي، ضد هذه الدولة التي تمنع وزراء عربا من الدخول إلى أرض يفترض أنها خاضعة للسلطة الفلسطينية، بل ويذهب إلى اعتبار هذا المنع المذل دليلا عن رفص الكيان لمسلك السلام، وكأن جرائم الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفلسطنيون في غزة ليست دليلا على ذلك، وعلى انه كيان اجراميّ مارق يجب نبذه وعزله عالميا، أداءٌ دبلوماسي ليس إلا انعكاسا حقيقيا لحالة التواطؤ البنيوي مع المشروع الصهيوني، الذي لم يعد يخجل من احتقار حتى أقرب "حلفائه" العرب.
إن ما يجري اليوم ليس سوى محطة جديدة في مسلسل قديم من النفاق السياسي والتآمر على فلسطين والمقاومة. فمنذ اتفاقيات أوسلو، مرورًا بمبادرة السلام العربية التي صيغت على مقاس المطالب الإسرائيلية، وصولا إلى "اتفاقيات إبراهام"، تعمل بعض الأنظمة العربية على إعادة تعريف الصراع في المنطقة بوصفه نزاعا قابلا للتسوية التقنية، لا قضية تحرر وطني واستعمار استيطاني.
في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة، حيث تتعرض غزة لمحاولة اجتثاث شامل، تُطرح "الدولة الفلسطينية" كسلعة سياسية في بازار التطبيع، لا كحق أصيل غير قابل للمساومة، وهذا ما يجعل المبادرة الفرنسية السعودية - مهما تجمّلت بالألفاظ- خطرا حقيقيّا على ما تبقى من الرصيد السياسي للقضية الفلسطينية.
ثم إنه لا يمكن قراءة هذا المسار بمعزل عن التراجع الحاد للدور الإقليمي لبعض العواصم العربية المركزية. فمصر منهمكة بأزماتها الاقتصادية، وسوريا بعد استنزافها ١٤ سنة بالإرهابيين سقطت نهاية العام المنصرم في السلة الأمريكية وإستطرادا الإسرائيلية، وأما العراق وبعد الإحتلال الأمريكي فممنوع عليه إستعادة دوره الإقليمي، وهكذا تصدّرت (السعودية) المشهد العربي الرسمي، ليس بصفتها قوة مؤتمنة على المصالح والحقوق العربية، بل باعتبارها القوة المروّجة للتسويات الوهمية وهي كانت الركن الخفي في ما يسمى ب "اتفاقيات إبراهام"، والتقدير أنها تتحضّر اليوم للحاق العلني بها.
إن تصدر مملكة الظلام لهذا الدور لا ينبع من ثقل سياسي حقيقي، بل من فراغ عربي خلقته الفوضى الأمريكية والتفكك الداخلي للدول المحورية. وفي هذا الفراغ، تتقدّم (السعودية) بوصفها حارسة الترتيبات الأمنية الجديدة، ومسهّلة لدمج الكيان الصهيوني في منظومة الإقليم، تحت عناوين منمقة مثل "السلام الشامل" و"الشراكة الاقتصادية".
في الختام، فما يجري ليس سوى إعادة تدوير للنكبة، ولكن بأدوات ناعمة ولغة دبلوماسية مضلّلة. وإذا كان هناك من أمل، فهو في وعي الشعوب العربية - ومن بينها شعب بلاد الحرمين الشريفين - بحقيقة ما يُخطط باسمهم، وضد إرادتهم. إن مقاومة هذا المسار تبدأ بالرفض الواضح لكل محاولات تزييف الوعي، وبالتمسك بأن فلسطين ليست بندا تفاوضيا، بل جوهر الصراع في منطقتنا، ومعيارا للحقيقة السياسية في زمن الخداع الشامل، وهي القسيم بين الشعوب والتزامها الفلسطيني وبين أنظمة الخيانة والعمالة.