عاجل:
معضلة العرش لا الشخص ... لماذا لن يُنتج إسقاط محمد بن سلمان دولة جديدة؟
حدث وتحليل 2026-09-02 16:09 554 0

معضلة العرش لا الشخص ... لماذا لن يُنتج إسقاط محمد بن سلمان دولة جديدة؟

هل المشكلة في نظام الحكم أم في محمد بن سلمان وحده؟ قراءة في الحملات الرقمية ومطالب التغيير

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة حملات متكررة ترفع شعار «المعارضة السعودية»، وقد تصدرت بعض هذه الحملات قوائم الوسوم الأكثر تداولاً، وجذبت تفاعلاً واسعاً.

لكن اللافت ليس حجم التفاعل فقط، بل طبيعة الخطاب الذي تحمله هذه الحملات، فجزء كبير منها يركز على شخص ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ويقدمه بوصفه أصل الأزمة، ثم يطرح إزاحته باعتبارها الحل.

وفي المقابل، لا يحظى نظام الحكم نفسه بالنقد بالقدر ذاته، رغم أن هذا النظام تأسس على احتكار آل سعود للسلطة وغياب المشاركة الشعبية في الحكم.

من هنا يبرز سؤال أساسي:

هل تعبر هذه الحملات فعلاً عن مطالب المعارضة السعودية، أم أن بعضها يعكس صراعات داخل العائلة الحاكمة أو محاولات إقليمية لاستغلال الغضب الشعبي وتوجيهه نحو شخص واحد؟

 

أولاً: المعارضة المنظمة تضع النظام قبل الفرد

لفهم هذه الفجوة، يجب العودة إلى خطاب التيارات المعارضة والمنظمات الحقوقية المعروفة بنشاطها السياسي والتوثيقي في الخارج، ومن بينها حزب التجمع الوطني «NAAS»، ومنظمتا القسط وسند، إلى جانب شخصيات أكاديمية وفكرية مستقلة.

ترى هذه الجهات، رغم اختلاف مواقفها وتوجهاتها، أن أزمة المملكة لا ترتبط فقط بشخص الحاكم أو بطباعه وقراراته، فالمشكلة الأساسية، من وجهة نظرها، تكمن في نظام سياسي مغلق يسمح لفرد واحد أو لعائلة واحدة بالسيطرة على مؤسسات الدولة وقراراتها.

وتدور أبرز مطالب هذا التيار حول ثلاث قضايا:

1.      التحول إلى حكم دستوري: الانتقال من الملكية المطلقة إلى نظام يحدد الدستور فيه صلاحيات الحاكم، ويمنح المواطنين حق اختيار ممثليهم ومحاسبتهم.

2.      سيادة القانون وفصل السلطات: منع السلطة التنفيذية من التحكم في القضاء، وضمان استقلال المحاكم، وإنهاء استخدام القضاء الاستثنائي ضد المعارضين وأصحاب الرأي.

3.      الإفراج عن المعتقلين السياسيين: إطلاق سراح سجناء الرأي، ووقف أحكام الإعدام المرتبطة بقضايا سياسية أو بقضايا تفتقر إلى المحاكمات العادلة، وضمان الحريات الأساسية.

وفق هذه الرؤية، لا يمثل محمد بن سلمان بداية المشكلة، بل يمثل نتيجة لنظام يمنح الحاكم سلطة واسعة من دون رقابة شعبية أو مؤسسات مستقلة، ولذلك، فإن استبداله "بأمير" آخر من العائلة نفسها، مع بقاء قواعد الحكم كما هي، لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير حقيقي.

قد تتغير الأسماء والسياسات والأساليب، لكن احتكار السلطة سيبقى قائماً.

 

ثانياً: الخطاب الرقمي وشبهة صراع الأجنحة

في المقابل، يقدم جزء من الخطاب المنتشر على منصات التواصل رواية أكثر بساطة:

المشكلة هي محمد بن سلمان، والحل هو إبعاده عن ولاية العهد أو إفشال مشروعه السياسي!!!.

هذه الرواية تتجاهل أن الاستبداد وغياب المشاركة السياسية والاعتقالات لم تبدأ مع صعود ولي العهد الحالي، كما أنها لا تفسر ما الذي سيحدث بعد إبعاده، ولا تقدم تصوراً واضحاً لطبيعة النظام البديل.

ويمكن تفسير انتشار هذا الخطاب من خلال ثلاثة عوامل:

 

1. الصراعات داخل العائلة الحاكمة

منذ عام 2017، أعاد محمد بن سلمان ترتيب مراكز القوة داخل الحكم، وأدى صعوده إلى إضعاف شخصيات وأجنحة كانت تتمتع بنفوذ كبير داخل العائلة، وخصوصاً في وزارة الداخلية والحرس الوطني ومؤسسات أخرى.

من الطبيعي أن تتضرر مصالح شخصيات كانت شريكة في السلطة أو قريبة من دوائر القرار.

لكن خسارة هذه الشخصيات لنفوذها لا تعني بالضرورة أنها أصبحت مؤيدة للديمقراطية أو لحق الشعب في اختيار حكامه.

لا تسعى الأجنحة المتضررة، في هذا الاحتمال، إلى إسقاط حكم آل سعود، بل إلى إنقاذه من محمد بن سلمان وإعادته إلى صيغته السابقة.

فالمطلوب بالنسبة إليها ليس تغيير النظام، وإنما تغيير "الأمير" الذي يقوده، ثم نقل السلطة إلى جناح آخر من العائلة مع إبقاء الشعب خارج معادلة الحكم.

وفي هذه الحالة، يمكن استخدام حسابات أو حملات رقمية تبدو معارضة، بينما لا يتجاوز هدفها إسقاط جناح حاكم لمصلحة جناح آخر.

 

2. الصراعات الإقليمية وتوجيه الحملات الرقمية

لا يدور النقاش عن السعودية على منصات التواصل بمعزل عن صراعات المنطقة، فهذه المنصات أصبحت ساحة يتواجه فيها أنصار الحكومات والجماعات السياسية والتيارات الفكرية، ويحاول كل طرف استغلال أخطاء خصومه والتأثير في الرأي العام.

ظهر ذلك خلال الخلاف السعودي القطري، كما يظهر في التنافس السعودي الإماراتي حول النفوذ والمصالح، وفي الصراع بين الحكومة السعودية وجماعة الإخوان المسلمين، ويظهر أيضاً في الحرب اليمنية، حيث تستخدم الأطراف اليمنية المتصارعة المنصات لمهاجمة السياسة السعودية أو الدفاع عنها.

كذلك يدخل في هذا السجال أصحاب الخطاب القومي والعروبي والتيارات المؤيدة لفلسطين ولمحور المقاومة، الذين ينتقدون علاقات المملكة بالولايات المتحدة وإسرائيل وموقفها من قضايا المنطقة.

داخل هذه الصراعات، قد تتحول قضية محمد بن سلمان إلى أداة سياسية، فكل طرف يهاجمه من زاوية تخدم موقفه: طرف يريد الضغط على السعودية، وطرف يريد إضعاف نفوذها، وطرف يعارض سياساتها الإقليمية، وطرف يريد تصفية حسابات قديمة معها.

وقد تشارك في هذه الحملات حسابات حقيقية، وحسابات مجهولة، وشبكات آلية تعيد نشر الرسالة نفسها في وقت واحد وهي تستفيد من غضب حقيقي لدى كثير من المواطنين السعوديين بسبب القمع أو الأوضاع الاقتصادية أو غياب المشاركة السياسية، لكنها قد توجه هذا الغضب نحو هدف محدود: مهاجمة محمد بن سلمان وإضعافه.

وهنا تكمن المشكلة: قد يختلط صوت المواطن الذي يريد الحرية والعدالة بصوت أطراف لا تريد تغيير نظام الحكم، بل تريد استخدام معاناة السعوديين في صراعاتها مع المملكة.

وهكذا يتحول النقاش من سؤال «كيف نبني دولة يشارك الشعب في حكمها؟» إلى سؤال «كيف نستخدم الغضب الشعبي لإضعاف الخصم؟»

 

3. لماذا يتركز الخطاب على محمد بن سلمان دون غيره؟

لا يرجع التركيز على شخص محمد بن سلمان في الفضاء الرقمي إلى أسباب تقنية بحتة، فالخوارزميات لا تختار الأشخاص من تلقاء نفسها، بل تعكس وتضخم ما يُضخ فيها من محتوى.

السبب الحقيقي وراء هذا التركيز يكمن في تقاطع عاملين:

الأول: مركزية السلطة في شخصه

منذ صعوده، أصبحت كل القرارات المصيرية — السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية — مرتبطة باسم ولي العهد وقراراته المباشرة، هذا الحضور الطاغي جعل منه الواجهة الأولى والوحيدة للنظام، وبالتالي تحول بطبيعة الحال إلى الهدف المباشر لكل انتقاد أو غضب شعبي.

الثاني: سهولة اختزال الأزمة السياسية

من الأسهل على الجمهور ومنصات التواصل تداول شعار بسيط مثل «إسقاط محمد بن سلمان» مقارنة بفتح نقاشات معقدة حول «الدستور»، و«فصل السلطات»، و«تفكيك بنية الحكم المطلق»، هنا تلتقط منصات التواصل هذه الشعارات القصيرة والمثيرة وتدفع بها إلى واجهة التداول السريع.

لكن خطورة هذا الاختزال تكمن في تجاهله للأصل: غياب نقد منظومة آل سعود ككل في بعض هذه الحملات لا يعني بالضرورة تبرئة العائلة، بل يعكس محاولة من بعض الأطراف لتصوير المشكلة على أنها أزمة “سلوك حاكم فرد” وليست أزمة “نظام حكم مغلق”.

وهكذا تُوظف المنصات لتضخيم الهجوم على الفرد، بينما تظل بنية الاستبداد محصنة بعيداً عن النقاش الحقيقي.

 

ثالثاً: مخاطر اختزال الأزمة في شخص واحد

إن تحميل محمد بن سلمان وحده مسؤولية جميع مشكلات المملكة قد يبدو خطاباً واضحاً وسهل الفهم، لكنه يحمل مخاطر سياسية كبيرة.

 

تقديم تغيير الوجوه على أنه حل

عندما يُختزل الاستبداد في شخص واحد، قد يعتقد الناس أن رحيله سيؤدي تلقائياً إلى الحرية والعدالة، وهذا تصور يتجاهل أن احتكار السلطة وتقييد الحريات والاعتقالات السياسية كانت موجودة قبل صعوده.

قد يكون ولي العهد مسؤولاً عن القرارات التي اتخذها خلال فترة نفوذه، ويجب مساءلته عنها، لكن مساءلة الشخص لا تغني عن تغيير النظام الذي منحه القدرة على اتخاذ هذه القرارات من دون رقابة مستقلة.

 

إبعاد النقاش عن حقوق المواطنين

التركيز المستمر على الخلافات داخل العائلة الحاكمة يجعل المواطن متابعاً لصراع الأمراء بدلاً من أن يكون طرفاً أساسياً في تحديد مستقبل بلاده.

وبدلاً من السؤال: «أي أمير سيحكم؟»، يجب أن يكون السؤال: كيف سيُحكم البلد، ومن يراقب الحاكم، وكيف يستطيع المواطن محاسبته أو تغييره؟

 

إضعاف مشروع التغيير الحقيقي

عندما تختلط المعارضة الديمقراطية بصراعات الأجنحة، يصبح من الصعب على الجمهور التمييز بين من يطالب بدولة قانون ومن يريد فقط إعادة توزيع السلطة داخل العائلة.

وهذا الخلط قد يبدد الغضب الشعبي في حملات مؤقتة لا تملك مشروعاً واضحاً لما بعد إزاحة ولي العهد.

 

خلاصات ونتائج

1. ليست كل معارضة مشروعاً للتغيير

هناك فرق بين معارضة تريد تغيير طريقة حكم الدولة، ومعارضة تريد تغيير الشخص الموجود في قمة السلطة، الأولى تطرح دستوراً ومؤسسات ورقابة شعبية، أما الثانية فقد تنتهي بمجرد وصول أمير آخر إلى الحكم.

 

2. الحملات الرقمية لا تكشف دائماً الجهات التي تقف خلفها

قد تضم الحملة الواحدة مواطنين غاضبين، ومعارضين حقيقيين، وحسابات آلية، وأطرافاً مرتبطة بصراعات داخلية أو إقليمية، لذلك لا يمكن اعتبار كل وسم واسع دليلاً على وجود موقف سياسي موحد، كما لا يصح اتهام جميع المشاركين فيه بالعمل لحساب جهة واحدة من دون إثبات.

 

3. إبعاد محمد بن سلمان لا يضمن قيام دولة جديدة

قد يؤدي إبعاده، إذا حدث، إلى تغيير بعض السياسات أو موازين القوى داخل العائلة، لكنه لن يقيم وحده دولة قانون، ولن يمنح الشعب حق المشاركة، ولن يضمن استقلال القضاء أو حماية الحريات.

هذه النتائج تحتاج إلى تغيير قواعد الحكم نفسها، لا إلى تبديل الشخص الذي يقف في القمة.

 

4. التغيير الحقيقي يبدأ من سؤال: ماذا بعد؟

لا يكفي أن تقول المعارضة من يجب أن يرحل، عليها أيضاً أن توضح النظام الذي تريد بناءه، وكيف ستُوزع السلطات، ومن سيحاسب الحاكم، وما الضمانات التي تمنع عودة الاستبداد.

لقد أثبت تاريخ المنطقة أن تغيير الحكام، مع بقاء المؤسسات المغلقة واحتكار القرار، يؤدي غالباً إلى إنتاج الأزمة نفسها بأسماء وأساليب جديدة.

لذلك، فإن القضية الأساسية ليست الدفاع عن محمد بن سلمان أو تبرئته من مسؤولية قراراته، وليست أيضاً استبداله بأمير آخر، بل القضية هي بناء نظام لا يستطيع فيه أي حاكم، أياً كان اسمه، أن ينفرد بمصير الدولة والمجتمع.

فالدولة الجديدة لا تبدأ بوصول وجه جديد إلى العرش، بل تبدأ عندما يصبح الشعب شريكاً حقيقياً في الحكم، ويخضع الحاكم للقانون، وتتحول مؤسسات الدولة من أدوات في يد العائلة إلى مؤسسات تملكها الأمة وتخدم مواطنيها.

آخر الاخبار