إن قطار الإصلاح، أو بالتحديد، التحديث الزائف "الاجتماعي- الثقافي" في السعودية ، على مدى العامين الماضيين " أي منذ وصول ولي العهد محمد بن سلمان" ، لا يزال يمضي ولكن ليس بخطى ثابتة وإنما وفقا لانعكاسات عالم السياسة على مستقبل ولي العهد نفسه وليس البلاد، وعلى الرغم من أن الإعلام حاول جاهدا "تضخيم" مشاريع ابن سلمان والباسها ثوباً ذهبياً مترامي الأطراف إلا أن الأمير الشاب هو نفسه من "داس" على هذا الثوب الذي سرعان ما خفت بريقه وأصبح ثقيلا وفضفاضا على ابن سلمان، ولكن مع ذلك لا يزال القطار مستمرا في حركته نحو تغيير بنية المجتمع المحافظ ولكن لا يزال الهدف غير واضح المعالم، والغريب أنه لا أحد يستطيع إيقاف هذا القطار داخل المملكة وإلا تم قذفه منه والخارج ينظر إليه بسعادة وكأنه "لعبة" للأطفال تدور حول نفسها دون وجهة محددة.
ماذا يجري الآن داخل المملكة؟
في تحرك غير مسبوق، أعلنت هيئة الترفيه في السعودية يوم الثلاثاء أن جميع المطاعم والمقاهي في البلاد مسموح لها بإدخال الأنشطة (((الفنية)))) إلى برامجها الأسبوعية، بما في ذلك الموسيقى والغناء.
من ناحية أخرى قال “مجتهد” في تغريدة له عبر حسابه بتويتر الذي يتابعه أكثر من مليوني شخص، إن ولي العهد السعودي بصدد تنفيذ المرحلة التالية من برنامجه التغريبي ويتوقع أن تنفذ خلال أسابيع.
ولفت إلى أن هذه المرحلة تتضمن السماح ببيع واستهلاك الخمور على مراحل تبدأ بالفنادق الراقية وتنتهي بالمطاعم. وتابع “مجتهد” موضحا:” السماح بإنشاء نوادي ليلية بنفس مفهوم ما يطلق عليه بالإنجليزية night club والسماح بالكازينوهات بما تشتمل عليه من قمار”!
كما أشارت مصادر المغرد الشهير إلى أنه بالفعل يوجد بيع للخمور في بعض الفنادق بشكل غير رسمي وأن النوادي الليلية موجودة سرا، لكن الجديد “هو ترسيم الموضوع وسن أنظمة له وإعطائه صفة قانونية ومعلنة ومحمية”.. حسب قوله.
في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أنه في أوائل عام 2018، وفقا لبيان صادر عن الديوان الملكي السعودي الذي وقعه محمد بن سلمان، سُمح بدخول النبيذ إلى المملكة العربية السعودية في ظل شروط تسمح ببيعها للرعايا الأجانب فقط ولا يسمح للمواطنين السعوديين شرائها تحت أي ظرف. كما مُنع استخدامها في المطاعم العامة. ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى سببين رئيسيين دفعا ابن سلمان إلى التسريع في تنفيذ مثل هذه الخطوات الجذرية خلال الأسابيع المقبلة.
إخفاء الفضيحة وارتداء قناع الإصلاح
لكي يكسب ابن سلمان ود الغرب الطامح لتغيير وجه المملكة واضفاء الطابع الغربي عليها، كان لابد من اجراء مجموعة من الإصلاحات وان كان باطنها وهما بوهم إلا أنها ضرورية لهذه المرحلة التي لا يزال فيها "مكان" ابن سلمان غير مستقر في ظل وجود شخصيات سياسية ذات نفوذ قوي داخل المملكة من أبناء عمومته وعمومته انفسهم، يمكن أن تسحب البساط من تحت ابن سلمان في أي لحظة وعلى حين غرة وكاد هذا الأمر ان يحصل بعد فضيحة مقتل خاشقجي إلا أن ابداع الأمير الشاب في الارتماء في الحضن الغربي وتنفيذ ما يُطلب منه أجل ابعاده عن السلطة إلى أجل غير مسمى ولكن قلق ابن سلمان واضح حتى اللحظة من خلال القرارات التي يتخذها والتي يظهر من خلالها عدم ثقته بأحد واستعداده للتضحية بأي شخص مهما كان قريبا منه لأجل ان يصل إلى العرش.
لكن يجب أن نقول وبكل صراحة أن كل الإجراءات التي قام بها بن سلمان ليظهر نفسه كشخصية تقدمية في بنية السلطة السعودية التي يمكن أن تؤدي إلى إصلاحات ذات توجه غربي في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية في المملكة، دون خوف من انهيار النظام السياسي، ذهبت ادراج الرياح بعد مقتل خاشقجي.
في هذه الحالة، يرى محمد بن سلمان الآن موقفه في خطر كبير. في الأيام الماضية، وضع الاتحاد الأوروبي المملكة السعودية على قائمة الدول التي قصرت في محاربة تمويل الارهاب، في الواقع كان هذا بمثابة إنذار لـ ابن سلمان.
الركود النفطي والتكاليف المتزايدة
لكن هناك قضية مهمة أخرى في دراسة الأسباب الكامنة وراء توجه ابن سلمان إلى تفعيل الأنشطة الثقافية وموارد الدخل غير النفطية وتقليل اعتماد الاقتصاد على الموارد النفطية والتي جرى الحديث عنها بكثرة ضمن رؤية 2030.
إن انخفاض عائدات النفط السعودية في أعقاب الركود في الأسواق العالمية في الأشهر الأخيرة، إلى جانب التكلفة الباهظة للحرب في اليمن والتكلفة الباهظة التي تحملتها الرياض لإبقاء التحالف خاصتها ودعم البرامج الإقليمية ، قد أوصل السعوديين إلى الفشل في تحمل التكلفة الباهظة للخطط الاقتصادية الطموحة.
في ظل هذه الظروف، يمكن الاعتماد على تنفيذ السياسات المفتوحة التي من شأنها سد الثغرات الاقتصادية من خلال جذب السياح والمستثمرين. ولكن حتى اللحظة حتى هذا الأمر لم يجلب أي نتيجة مرجوة، مثلما كشف خالد الفيصل، حاكم إمارة مكة ، مؤخراً عن الوضع الاقتصادي السيئ للبلاد وعن سحب رأس المال من المملكة العربية السعودية ، وكشف في الواقع عن فشل سياسات ابن سلمان في جذب الاستثمار الأجنبي ، إما عن قصد أو عن غير قصد.
لذا ، يبدو أن بن سلمان سيبحث عن عمل جذري، قد يألب المجتمع السعودي عليه على اعتبار انه ينشر أفكارا جديدة في مجتمع محافظ لا تتناسب لا مع عاداته ولا تقاليده، وكأنه يزرع ارز في الربع الخالي.