التغيير-طلال حايل
88 عامًا مرّت على تأسيس مملكة آل سعود الثالثة، اعتاشت خلالها على الإسلام بصورٍ مُختلفة، وحتى الدولة السعودية الأولى والثانية قامت واعتاشت على الإسلام، لكن الثالثة كان وضعها مختلفًا، حيث عاشت عصرها الذهبي معتمدًة على العقيدة الوهابية، حيث وصل رجال الدين الوهابيين في هذا العصر إلى أرقى المراتب، وفي سبيل حفاظهم على مكاسبهم كان لا بدّ لهم من تقديم الطاعة والولاء للحكم السياسي، وبرز هذا الولاء خلال الحرب الأفغانية إذ جهّزت المملكة من باتوا يُعرفون بالـ "أفغان العرب" بالمال والسلاح والمؤونة، وذلك بالطبع لحفظ ولاء جماعات الوهابية السلفية التي كانت تُعتبر صمام أمان حكم آل سعود، وبات آل سعود وتلك الجماعات وجهان لعملةٍ واحدة، وبالطبع كان الهدف هو القتال نيابة عن أمريكا في وجه الاتحاد السوفييتي.
وفي نظرةٍ تاريخية إلى نشوء الدولة السعودية الثالثة نجد أن القوة الضاربة للملك عبد العزيز بن سعود كانت جماعة "إخوان من اطاع الله" التي كان يقودها "فيصل الدويش"، لكن وبعد انتهاء مهمته زج ابن سعود بالدويش بالسجن ومن ثم عمد إلى قتله.
واستمرّ اعتياش تلك العائلة على الإسلام؛ فبعد صعود نجم عبد الناصر في الستينات؛ وظهور ما بات يُعرف بالحرب الباردة العربية (بين القوميين والإسلاميين) لم يجد آل سعود بدًّا من اللجوء إلى اللعبة القديمة الجديدة وقاموا باحتضان الإخوان المسلمين، وقدموا لهم كافة التسهيلات لتكبر وتقوى شوكتها، لكن وبما أنّ دوام الحال من المُحال؛ انقلبت الآية مُجددًا، وبات الإخوان يُشكلون خطرًا على حكم آل سعود، فأخرجوهم من السعودية ولاحقوهم، وعادوا لاحتضانهم مجددًا بعد أحداث سبتمبر وسقوط مشروع الإسلام الجهادي إثر الحملات التي قام بها الجهاديون ضد المصالح الأمريكية.
اليوم وبعد التحولات الكبيرة التي شهدتها المنطقة، عاد آل سعود إلى لعبتهم المُعتادة، فبعد بروز نجم الإخوان المسلمون ووصولهم إلى السلطة في مصر؛ استشعر آل سعود الخطر الكبير الذي يُشكله الإخوان على حكمهم، وهنا وجد قادة التنظيمات الإسلامية وبكافة أشكالها، وجدوا أنفسهم ملاحقون ومطلوبون لأجهزة آل سعود الأمنية، وهو ما شهدناه خلال الأعوام الثلاثة الماضية، حيث زجّ ابن سلمان –وعلى خُطى جدّه- قادة الإخوان في السجون كما لاحق البقيّة في أنحاء العالم وقتلهم أينما كانت الفرصة سانحة، وهو ما حصل للصحفي جمال الخاشقجي.
هذا من ناحية؛ من ناحيةٍ أخرى فأمريكا اليوم باتت تتحدث عن ضرورة وجود إسلامٍ جديد عصري ومُتطور، يتماشى مع الرغبة الأمريكية، ومن أفضل من فتى مُراهق مُستعد لبذل الغالي والنفيس في سبيل الوصول إلى العرش، لتنفيذ المُخططات الأمريكية.
وعلى هذا الأساس ظهر وبشكلٍ جلي حقد بن سلمان على الإسلاميين وخاصة تنظيم الإخوان المسلمين،وهنا وجد بن سلمان الفرصة سانحة لزج أي معارضٍ له بالسجن وبالطبع فإنّ التهمة جاهزة، حيث شهد خريف العام 2017 حملة اعتقلات كبيرة نفذها الغلام المراهق بحق عشرات النشطاء والخطباء والمثقفين المسالمين، متهمًا إياهم بالتآمر مع أعداء المملكة (الإخوان المسلمين وقطر على وجه الخصوص)، ومع ذلك، إذا قمنا بالنظر في تاريح تلك الشخصيات، يمكننا أن نرى كمًّا كبيرًا منهم ينتمي إلى الصحوة الإسلامية الجديدة أو ما يُعرف بالتيارات الفكرية الإسلامية الليبرالية، لكن حتى أولئك لم يسلموا من بطش بن سلمان الذي كان مستعدًا لسجن حتى والدته إن خالفت رغباته ورغبات سيده الأمريكي.
أكثر من ذلك؛ فإن القبض على تلك الشخصيات السعودية الإصلاحية والتي تتبنى مفهوم الإصلاح –ذات المفهوم الذي يحمله بن سلمان أينما ذهب- تُشير بما لا يدع مجالًا للشك أنّ بن سلمان لا يهدف إلى الإصلاح؛ بل هدفه الأساسي السيطرة على كافة مفاصل الحكم في المملكة، مع إصرارٍ أعمى على قمع المعارضة بدلاً من إعطائها مجالًا للعمل الحر في المملكة.
وهنا يخرج تساؤل مشروع عن ماهيّة "الإسلام المعتدل" الذي يروّج له بن سلمان، إذ ليس من الواضح بعد من الذي يمكنه القيام بمهمة إصلاح الإسلام السعودي، فمعظم الإصلاحيين المسلمين المعروفين باتوا حبيسي جدران سجونهم، ومن ناحيةٍ أخرى بات يُروج البعض إلى أن هدف بن سلمان من طرحه لمفهوم الإسلام المعتدل هو إلغاء العقوبات الجسدية التي وضعتها الشريعة الإسلامية على بعض الجرائم، أو تحديد الحد الأدنى لسن الزواج أو الحد من تعدد الزوجات؛ والقضاء على الشرطة الدينية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، أو حتى تخفيف علاقات دوائر الحكم برجال الدين على غرار ما يحدث في الامارات التي لا ينقصها اي موبقة من الموبقات الاخلاقية.