لم تكن الوهابية يوماً مشكلة بالنسبة للمشاريع الغربية، بل كانت إحدى أهم أدواتها.
فمنذ بدايات القرن العشرين استخدم البريطانيون الوهابية لتهيئة الأرضية الدينية التي سمحت لآل سعود بالتمدّد في الجزيرة العربية وترسيخ سلطتهم.
كانت الفتاوى تفتح الطريق أمام السيف، وكانت العقيدة تُستخدم لإسكات الخصوم وتبرير القضم والهدم، بينما كانت لندن تشرف على المسار العام وتضمن بقاء التحالف الديني–السياسي في خدمة مصالحها.
ومع انتقال النفوذ العالمي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، بقيت الوهابية في مكانها الطبيعي:
أداة ضمن مشروع أكبر، لا عقيدة مستقلة بذاتها.
الوهابية… وظيفة لا عقيدة
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تحولت الوهابية إلى “آلة تعبئة” استخدمتها واشنطن في حربها ضد الاتحاد السوفيتي.
آلاف الشباب السعودي جرى تحشيدهم بدعم أميركي مباشر، وتحولت الكلمات الدينية إلى رصاص في جبال أفغانستان.
وبعد 2003 استُخدمت الفتاوى ذاتها لتغذية الفوضى في العراق وسوريا وأي ساحة تعارض الهيمنة الأميركية، حتى أصبح الرقم الصادم حقيقة موثقة:
5000 انتحاري سعودي فجّر نفسه في العراق وحده!!.
ولكي نفهم حجم اللعبة، يكفي النظر إلى الانتشار الحقيقي للمشروع الوهابي خارج السعودية.
خلال أربعة عقود موّلت المملكة نحو 2000 مسجد ومركز وجمعية عبر العالم؛ أكبر كتلة في آسيا (1200) حيث صُنّع جيل كامل لخدمة حروب الحرب الباردة وما بعدها، ثم إفريقيا (500) التي استُخدمت كميدان مفتوح للمدارس الشرعية وكفالة الدعاة، ثم أوروبا (320) حيث زُرع خطاب سلفي يخدم سياسة “عزل الجاليات”، وأخيراً الأمريكيتان (75) التي لعبت دور واجهة دينية للهوية السعودية بالخارج.
هذا الانتشار لم يكن مشروعاً عقائدياً؛ بل برنامجاً جيوسياسياً ممولاً، يرفَع أينما احتاجت واشنطن والرياض صوتاً دينياً، ويُسحَب فور انتهاء الحاجة.
وعندما انتهت الوظيفة، أغلقته الدولة بضغطة زر، فانكشفت الحقيقة العارية:
الوهابية لم تكن ديناً عالمياً، بل شبكة عمليات خارجية تُفتح وتُغلق بإشارة من الراعي الأميركي.
ما إن انتهت الحاجة إلى “الإسلام القتالي” حتى رُفعت اليد عنه.
لماذا انقلب الغرب والسعودية على الوهابية؟
ليس لأنها متشددة.
وليس لأنها عنيفة.
السبب الحقيقي أبسط: أدت وظيفتها وانتهت.
الغرب اليوم لا يريد “مجاهدي أفغانستان”، بل يريد شرقاً أوسط مطبّعاً، اقتصادياً، مندمجاً في مشاريع تل أبيب وواشنطن، بلا مقاومة وبلا هوية عقائدية صلبة، ومحمد بن سلمان لا يحتاج “شيوخ المنابر” في مشروعه الاقتصادي؛ بل يحتاج إلى مجتمع مستهلك، مطيع، بلا طموح سياسي ولا شخصية قتالية.
وهكذا ظهر “العدو الجديد” الذي لم يكن محسوباً:
العدو الحقيقي: مواطن الجزيرة العربية… لا الوهابية
رغم أربعين عاماً من التشويه الوهابي، بقيت فطرة المجتمع أصلب من كل الدعاية:
_ رفض التطبيع
_ رفض بيع الخمور
_ رفض المواسم الراقصة
_ التمسك بفلسطين
_ التمسك بالحياء
_ الشعور بأن الجزيرة أرض مقدسة لها حرمتها
هذه “الفطرة” هي التي يخشاها ابن سلمان، لا الوهابية.
لأن الوهابية كانت أداة يمكن إعادة ضبطها…
أما المجتمع، فلا يُعاد تشكيله بهذه السهولة.
مشروع السعودية الجديدة وبروتوكول RAND
في عام 2003 نشرت الصهيونية تشريل بنارد تقرير “الإسلام المدني الديمقراطي”؛ خريطة طريق لإعادة تشكيل العقل الإسلامي بما يتوافق مع المصالح الأميركية والإسرائيلية، دون إلغاء الإسلام بل تهذيبه وتحويله إلى نسخة آمنة لا تُنتج مقاومة.
أبرز بنوده:
– إضعاف التيارات العقائدية الصلبة
– دعم إسلام فردي روحاني منزوع السياسة
– خلق نخب ثقافية موالية
– إعادة تعريف الهوية بعيداً عن الدين
– استخدام المرأة كرمز حداثي
– تشويه التيارات المقاومة
– تحميل التقليديين مسؤولية “التطرف” لفتح الباب لإعادة صياغة الإسلام
واليوم نجد هذه البنود في قلب مشروع السعودية الجديدة:
– إستخدام بقايا المؤسسة الدينية (الوهابية) لترويج التطبيع وطاعة ولي الأمر
_ إلغاء المؤسسة الدينية التقليدية
– استبدال الإسلام الفقهي بإسلام ترفيهي رمزي
– صناعة نخب إعلامية وثقافية تابعة
– دمج المرأة في مشاهد الاستعراض
– تجريم أي اعتراض تحت تهمة “التطرف”
– شيطنة فكر المقاومة
– وخلق هوية تجارية مُفبركة تُصنع داخل غرف الاستثمار: أطلال وأساطير جاهزة للعرض السياحي، تُقدَّم كـ“ماضٍ بلا دين وحاضر بلا ذاكرة”.
الهدف وفق بروتوكول RAND واضح:
إسلام لا يقاتل، ولا يعارض، ولا يرفض التطبيع، ولا يربط الدين بالسياسة.
نهاية الوهابية… وبداية الإسلام الصهيوني
بعد أن أدى الإسلام الوهابي وظيفته القتالية، بدأت مرحلة “الإسلام الصهيوني”:
إسلام مُصمَّم لمشروع اقتصادي–سياسي، بلا عقيدة، بلا هوية، بلا انتماء، وبلا مقاومة.
لكن هذا المشروع يواجه مشكلة واحدة كبيرة:
شعب الجزيرة العربية أكبر من كل هذه المشاريع
رغم كل ما يُفرض عليه، ما زال المجتمع يتفاعل بفطرته، يرفض الانحلال، يرفض التطبيع، يرفض الذل، ويحتفظ بهوية صنعها التاريخ لا الإعلام، ولهذا تحديداً يخشاه ابن سلمان.
لأن الوهابية كانت أداة يمكن تفكيكها…
أما الإنسان المتمسك بفطرته السليمة، الرافض للظلم والفساد والخنوع للباطل…
فهو فولاذ صلب مستحيل تطويعه.