المال والاقتصاد يحركان عالمنا "الحديث" ويطحنان كل ما تبقى فيه من قيم ومبادئ كانت تَحول دون انتهاك الكرامات وشراء الذمم، ولكن على ما يبدو أن آلات طباعة المال تفوقت على قرون طويلة من تعليم الانسان كيفية المحافظة على انسانيته، ولكي لا نذهب بعيدا دعونا نتحدث عن مؤتمر دافوس الذي يهدف للارتقاء باقتصادات العالم وتطويرها ومن ثم نلقي نظرة على النسخة السعودية منه "دافوس الصحراء" الذي كان يهدف أيضا لتطوير الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل عبر الاستثمار "داخل المملكة" في مجالات غير نفطية وفقا لرؤية "2030" التي أطلقها ولي العهد محمد بن سلمان، ونرى أين كانت السعودية من هذين المؤتمرين.
من سوء حظ شعب المملكة أنه لم يأت حتى اللحظة من يرفع من شأنها ومكانتها بما يتناسب مع تطلعات هذا الشعب الذي لا يستطيع أن يعبر عن نفسه بأفضل شكل ممكن ولا حتى بأبسط شكل ممكن، وبقي الأمر كذلك حتى مجيء محمد بن سلمان للسلطة وكان الأمل لدى شريحة اجتماعية لا بأس بها من المجتمع السعودي أن يُحدث هذا الشاب التغيير المطلوب ويقود البلاد على خطى ثابتة وقوية، ولكن صح به المثل الشعبي القائل "جا يكحِّلها عماها" وما إن مضت أشهر قليلة على توليه منصب ولي العهد حتى بدأ أبناء هذا الشعب يترحمون على السابقين من حكام المملكة، على اعتبار أن ابن سلمان لم ينجح في تحقيق أيا من المشاريع التي أطلقها حتى اللحظة وغرق في وحل اليمن وأحدث عداوات مع جيرانه وأدخل البلاد في دوامة سياسية غير متناهية الأطراف، لكنه حاول تهدئة هذه الدوامة والخروج منها عبر المشاريع الاقتصادية التي قد تجعل الناس يتناسون ما يجري في السياسة، فكانت تجربة "دافوس الصحراء" أولى التجارب في هذا المجال، وعوضا عن أن تنقذ اقتصاد البلاد وتخرجها من دائرة الاعتماد على النفط، تحول المؤتمر إلى محاولات للتغطية على حادثة مقتل خاشقجي وتبييض صفحة المملكة، ولكن هل نجح ابن سلمان في ذلك؟.
في الحقيقة رفضت الكثير من الدول والشخصيات السياسية والاقتصادية حضور مؤتمر "دافوس الصحراء" بسبب ملابسات حول قضية اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بتركيا، وفي هذا الاطار قال موقع ميدل إيست آي البريطاني إن اتهامات وجهت للسعودية بأنها سعت من خلال تنظيم ما عرف بــ"دافوس الصحراء" قبل ثلاثة أشهر، إلى تلميع صورتها ومسح ما شابها من شبهات بعيد مقتل الصحفي جمال خاشقجي، وها هو اليوم مؤتمر دافوس الأصلي يواجه ذات التهم، بحسب الموقع.
دافوس "سويسرا"؛ الغرب يدير ظهره لجرائم ابن سلمان
كشفت تقارير إعلامية أن السعودية أرسلت وفداً رسمياً كبيراً إلى جبال الألب السويسرية للمشاركة في منتدى دافوس، والعمل على استمالة الغرب بعد جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، بمنح الشركات الغربية ومديريها المزيد من العقود والامتيازات الخرافية داخل المملكة وخارجها. ولفتت إلى أن الوفد السعودي ضم وزراء الاقتصاد والمالية والخارجية. كما نظّم عملاق النفط التابع للسعودية "أرامكو" حفلاً فخماً مساء الأربعاء 23 يناير، للمديرين التنفيذيين والمصرفيين الحضور في المنتدى. وأشارت إلى أن السياسيين الغربيين ومديري الشركات الغربية أكدوا، في محادثات مختلفة خلال الحفل، عدم استعدادهم لإدارة ظهرهم للمملكة، بالرغم من بشاعة جرائمها سواء في اليمن أو قتل خاشقجي. وذكرت صحيفة "واشنطن بوست"، في تقرير لها: "إن لم يكن واضحاً أن الغرب مضى قدماً متجاوزاً قضية خاشقجي برمتها، فإنّ أحداث هذا الأسبوع بالمنتدى الاقتصادي العالمي جعلت كل شيء أوضح". لكنّ النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان في "دافوس" لم يكونوا متسامحين للغاية. فقد أشار كينيث روث -مدير "هيومن رايتس ووتش" بأصابع الاتهام للمنتدى لعدم إثارته قضية خاشقجي بصورة مباشرة أكثر. وصرَّح للوكالة الفرنسية للأنباء: "من المزعج للغاية أن المنتدى الاقتصادي العالمي لم يجعل هذا موضوع محادثة رسمية". ومن الغريب أن المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) في دافوس احتضن يوم الخميس ندوة بعنوان "الخطوات التالية للمملكة العربية السعودية".ويقول موقع دافوس تعليقا على هذه التظاهرة "إن خطة التحول الوطنية في المملكة العربية السعودية واجهت في عام 2018 صعوبات جيوسياسية واقتصادية قوية".
ويؤكد الكاتب دانيا هيلتون في "ميدل إيست آي" هذه الصعوبات، قائلا إنها نتجت عن عدد من التطورات المروعة التي ركزت في الأذهان صورة سلبية عن حكام السعودية.
وعدد الكاتب من بين أمور أخرى، حادثة اغتيال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2018، وما تتهم به الرياض من جرائم حرب في اليمن، ومن تعذيب وتحرش جنسي بناشطات حقوق المرأة السعوديات.
وعلقت مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش سارة ليا ويتسن -في تصريح لميدل إيست آي- على هذه التظاهرة قائلة: "بما أن هذا ليس دافوس في الصحراء، فمن الغريب أن يضرب منتدى دافوس عرض الحائط بالتطورات المروعة التي شهدتها المملكة العربية السعودية خلال العام الماضي".
في الختام؛ الساسة يتجاهلون الانتهاكات التي تحصل داخل المملكة من سجن تعسفي وتعذيب يصل بعضها إلى حد القتل تستهدف كل من يعارض ابن سلمان، وكل هذا مقابل حفنة من الدولارات، فعن اي غرب نتحدث وعن اي حقوق انسان لطالما أن من اصدروها يتجاهلونها وكأنها مجرد مادة اعلامية تشكل ستار يخفي خلفه جرائم مروعة "مسبقة الدفع".