كما يبدو أن ثمة جديداً في مسار تسوية الأزمة الخليجية لكن ما هي طبيعته؟ كم يتطلب الأمر من الوقت لمعالجة أزمة طالت لسنوات؟ ما غرض ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" من نجاحها؟ تساؤلات أثيرت بعد بيان وزير الخارجية الكويتي، الشيخ "أحمد ناصر الصباح" الذي قال فيه أن معالجة مثمرة جرت في الفترة الماضية في إطار جهود تحقيق المصالحة الأزمة الخليجية التي قادها أمير الكويت الراحل الشيخ "صباح أحمد الصباح" والتي أكملها الأمير الحالي الشيخ "نواف الأحمد الصباح" وأكد وزير الخارجية الكويتي حرص الأطراف كافة والتي شاركت في المباحثات على التضامن والاستقرار الخليجي والعربي كما وأوضح أن الأطراف أكدت كذلك على الوصول إلى اتفاق نهائي يحقق ما تصبو إليه دولها وما فيه خير شعوبها.
لقد عودنا بن سلمان على أن علاقاته مبنية على المصالح فقط، خاصة في الآونة الأخيرة حيث أنه يرتاب في رد فعل الولايات المتحدة تحت الإدارة القادمة للرئيس المنتخب "جو بايدن" الذي توعده بالمحاسبة. ومن هذا المنطلق أخذ بن سلمان يتقرب من أعدائه لبناء جبهة مضادة للإدارة بايدن، وخاصة مع الإخوان المسلمين الذين يرون في الإدارة الجديدة أملاً جديداً في إعادة تصويب المشهد لمصلحة الجماعة في محيطها العربي، على الرغم من الحرص الأمريكي المتوقع للتعامل من منظور مختلف. لذلك نرى السعودية تتقرب من تركيا بالأمس واليوم قطر وقال سفير تركيا السابق لدى قطر "ميثات ريندي": "أحد الدوافع التقارب السعودي التركي، هو وصول جو بايدن"، وتابع "يجب أن يكون السعوديون مستعدين لمعاملة مختلفة من قبل إدارة بايدن". كما يرى تقرير لوكالة "بلومبيرغ" الأمريكية، إن تركيا تسعى لإصلاح علاقاتها مع حلفائها التقليديين في الغرب، وبقية القوى الإقليمية كالسعودية، وأرجع ذلك إلى الصراع التركي-الروسي المحتدم حاليا، وخطر العقوبات الأوروبية، وفوز جو بايدن.
وها هي اليوم تتقرب من قطر، هذا التقارب أيضاً وضع في خانة اعتبرها محللون ومراقبون أنها خطوات لإعادة تطبيع العلاقات، ولفتح صفحة جديدة، استعدادا للرياح "العاتية" للرئيس الأمريكي الجديد "جو بايدن". وفي السياق نفسه نرى بن سلمان يتقرب من رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" حيث جاءت أنباء الزيارة السريعة التي قام بها الأخير إلى مدينة "نيوم" السعودية للقاء ولي عهدها "محمد بن سلمان" في توقيت حساس، تتقاطع فيه تبعات الانتخابات الأمريكية بتطورات إقليمية وشرق أوسطية غير اعتيادية. وتركت حالة عدم اليقين بخصوص الزيارة -في ظل تأكيد إسرائيلي ونفي سعودي- الكثير من المعلقين الأمريكيين في حالة ارتباك أمام كيفية قراءة هذه الخطوة ورسائلها.
وثمة رؤية أخرى طرحها مراقبون ومحللون، حين اعتبروا أن ما شهدته الأيام الماضية من المؤشرات "الإيجابية" بين أنقرة والرياض وقطر لا تصب في إطار تقارب كامل بينهما، بل هي عبارة عن عمليات "جس نبض" واستكشاف، من أجل الاستعداد لما ستكون عليه الأيام المقبلة، خاصة مع قدوم بايدن، الذي كان قد وجه رسائل تهديد لكل من تركيا والسعودية في أثناء حملته الانتخابية.
ليكتمل المشهد ونرى أن بن سلمان أصبح رئيس تحالف كبير يضم حلفاء واشنطن والإدارة الجديدة في الشرق الأوسط، تركيا، قطر و"إسرائيل"، ومن هنا تتعقد الصورة أمام بايدن ليضطر الى التعامل مع بن سلمان على أنه حليف ويصعب عليه محاسبته كما توعده عدة مرات خلال حملاته الانتخابية. إلاّ أننا لا نعلم كيف من الممكن أن تتعامل الإدارة الجديدة بالرغم من هذه التعقيدات.
من هنا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أمرين أساسيين، الأول هو عدم المبالغة بقراءة التطورات الحاصلة، لأنها قابلة للتغير مرة أخرى تبعاً للظروف، سواء باتجاه تقارب أكبر أو باتجاه التراجع عن التقارب الحاصل. أما الأمر الثاني، فيرتبط بوجود صعوبات وتحديات أمام علاقات تركية-سعودية، وقطرية-سعودية أفضل، لعل أبرزها هو موقف المتضررين داخل وخارج المملكة، لا سيما موقف الإمارات التي ترغب في أن ترى علاقات سعودية-إسرائيلية أقوى بدلا من علاقات سعودية-تركية وسعودية قطرية، حيث أنها عملت أكثر من مرة على إفشال هذه المصالحات، هذا الرأي عززه وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية "أنور قرقاش" بتغريدته التي نشرها في 5 من يونيو الماضي التي قال فيها إن الخليج تغير و"لا يمكن أن يعود إلى ما كان عليه" قبل قطع العلاقات مع قطر، مضيفًا "لا أرى أن أزمة قطر في ذكراها الثالثة تستحق التعليق، افترقت المسارات وتغيّر الخليج ولا يمكن أن يعود إلى ما كان عليه".