لا تزال تداعيات إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتفاصيل صفقة القرن بحضور رئيس الوزراء الاسرائيلي المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو ومجموعة من المسؤولين العرب، قائمة حتى اللحظة ولم تنته بعد، خاصة بعد أن أقدمت دولة عربية جديدة على التطبيع مع كيان العدو، ما أثار حفيظة الشعوب العربية بشكل عام وشعب هذه الدولة بشكل خاص.
قبل يومين التقى رئيس المجلس الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان مع بنيامين نتنياهو في في مدينة عنتيبي الأوغندية، وبينما دافع البرهان عن هذا اللقاء عبر بيان صادر عنه، قال فيه إنه قام بهذه الخطوة من واقع مسؤوليته بأهمية العمل الدؤوب لحفظ وصيانة الأمن الوطني. وأضاف أن بحث وتطوير العلاقة بين السودان وإسرائيل مسؤولية المؤسسات المعنية بالأمر وفق ما نصت عليه الوثيقة الدستورية. وأشار إلى أن موقف السودان المبدئي ثابت من القضية الفلسطينية وحق شعبه في دولته المستقلة.
في المقابل لاقى هذا اللقاء موجة غضب عارمة من قبل الشعب السوداني ومن الحركات والأحزاب والقوى الوطنية، خاصة وأن قلة قليلة كانوا على علم باللقاء ولم يتشاور البرهان مع أحد لإجراء هكذا نوع من اللقاءات، علما أن البرهان يعلم مدى حساسية الموضوع بالنسبة للسودانيين، وفور الاعلان عن اللقاء أصدر المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير في السودان بيانا جاء فيه : " إن قوى الحرية والتغيير لا علم لها بهذا اللقاء ولم يتم التشاور معها في أي وقت سابق" واصفة اللقاء بالأمر المخل الذي يلقي بظلال سالبة على الوضع السياسي بالبلاد.
ووصلت تداعيات هذا اللقاء إلى فلسطين، حيث ندد صائب عريقات، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الإثنين الماضي ، باللقاء بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في أوغندا ووصفه بأنه "طعنة في الظهر".
وقال عريقات "هذا اللقاء طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني وخروجاً صارخاً عن مبادرة السلام العربية في وقت تحاول فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الاسرائيلي تصفية القضية الفلسطينية"، حسب وكالة الأنباء الرسمية (وفا)، وكذلك أدانت كل من حركة حماس والجهاد الاسلامي هذا اللقاء. ما علاقة السعودية والامارات؟
نقلت إحدى وكالات الأنباء العالمية عن ضابط سوداني رفيع قوله إن الإمارات العربية المتحدة لعبت دور الوسيط في ترتيب اللقاء وهي تسعى أيضاً لدى الإدارة الامريكية إلى رفع العقوبات المفروضة على السودان.
آل سعود بادروا أيضا للتدخل من خلف الكواليس ودعم تحركات السودان نحو "التطبيع" مع العدو الصهيوني، اذ لايمكن ان يكون من سبيل الصدفة ان يلتقي سفير المملكة العربية السعودية لدى السودان علي بن حسن جعفر مع السفير الصديق عبدالعزيز وكيل وزارة الخارجية السودانية، وأن يقدم بن حسن جعفر وعودا فضفاضة للسودان من البوابة الاقتصادية، التي تشكل نقطة ضعف لدى هذا البلد الفقير، اذ اكد السفير السعودي ان توجه بلاده في الفترة القادمة، سينصب على دعم السودان اقتصاديا، والمساعدة في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
هنا الولايات المتحدة دخلت على الخط ايضا لتبارك هذه الدوامة التطبيعية إذ سارع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى الاتصال بالبرهان بعد اللقاء بنتنياهو وأثنى على الخطوة السودانية، وهو ما قد يمهد السبيل امام فتح أبواب البيت الأبيض أمام المسؤولين السودانيين والإسراع برفع العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان منذ وصول البشير إلى السلطة عام 1989.
وقد أصدرت الخارجية الأمريكية بيانا مقتضبا عن فحوى اتصال بومبيو بالبرهان يوم 2 فبراير/ شباط 2020 جاء فيه:" شكر الوزير بومبيو الجنرال البرهان لقيادته عملية تطبيع العلاقات مع إسرائيل والتي بدأت بلقاء البرهان برئيس وزراء إسرائيل في أوغندا". وجاء في البيان أن الوزير الأمريكي اتفق مع البرهان على قيام الأخير بزيارة إلى الولايات المتحدة في وقت لاحق من هذا العام.
في الختام؛ اصبح واضحا لدى الجميع أن الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل والسعودية والامارات يعملون سويا على جر جميع الدول العربية الفقيرة للتطبيع مع كيان العدو عبر تقديم وعود اقتصادية واستثمارات لتحسين اوضاع هذه البلاد، وحاليا تلعب اسرائيل على خط المغرب لجرها نحو التطبيع عبر تقديم وعود فيما يخص سيادتها على المناطق المتنازع عليها.
الغريب فيما يجري ان جميع هذه التحركات جاءت بعد ان اعلنت الجامعة العربية رفضها لصفقة القرن، لتناقض ذلك على الفور عبر قنوات جانبية لتمرير هذه الصفقة بشكل تدريجي دون ان تحدث بلبلة في الشارع العربي.