أظهرت الأشهر السابقة أكثر من أي وقت مضى ان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كان يبحث عن إعادة هيكلة المملكة العربية السعودية من جديد ولكن من حيث الشكل وليس المضمون، وبعد مرور أكثر من سنة ونصف على توليه منصب ولي العهد تبين أن ابن سلمان فشل في الشكل والمضمون ولم يستطع أن يخدع أحد بإصلاحاته "الشكلية" لا في الداخل ولا في الخارج، وجميع التقارير والأحداث التي حصلت خلال المرحلة السابقة تؤكد أن ابن سلمان كان يكرس الشكل السابق لطريقة الحكم في المملكة ولكن بصورة أكثر راديكالية ووحشية وبعيدة كل البعد عن خلق مساحات جديدة وأكثر حرية لجيل الشباب بل على العكس تماما، حيث زادت نسبة القمع والاعتقالات العشوائية بشكل لايصدق وما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز الأمريكية" يوم امس حول فريق "التدخل السريع" السعودي، الذي أُنشئ قبل أكثر من عام على اغتيال جمال خاشقجي، بأمر من محمد بن سلمان، وأوكلَت إليه مهمة إسكات أصوات معارضة عبر القتل والخطف والتعذيب، ليس سوى غيضا من فيض لجرائم آل سعود داخل المملكة.
تقرير "نيويورك تايمز" أزال الستار عن الفريق الذي شكله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان منذ مطلع العام 2017 والذي قام بمهمات عديدة داخل أسوار البلاد وخارجها، اذ شارك هذا الفريق في ما لا يقل عن 12 عملية، ضد معارضين، ابتداء من عام 2017.
وأضاف التقرير أن بعض تلك العمليات انطوت على إعادة قسرية لسعوديين من دول عربية أخرى، واحتجاز وإساءة معاملة سجناء في قصور تابعة لولي العهد ووالده الملك "سلمان بن عبدالعزيز".
وجاء في التقرير أنه: "بعد مقتل خاشقجي، أقر المسؤولون السعوديون بأن جهاز المخابرات السعودي لديه أمر دائم بإعادة المنشقين إلى ديارهم، لكن ما لم يعترفوا به هو أنه تم بناء فريق معين للقيام بذلك".
وأشارت الصحيفة إلى أن ذلك الفريق -بقيادة المستشار بالديوان الملكي "سعود القحطاني"، والذي يعرف بـ"قيصر الإعلام" والمقرب من "بن سلمان" ونائبه ضابط المخابرات السعودي "ماهر مطرب"- متورط أيضا في اعتقال وتعذيب حوالي 12 من الناشطات الحقوقيات السعوديات، أبرزهن "لجين الهذلول"، التي هددها "القحطاني" بالاغتصاب والقتل ورمي جثتها في مجاري الصرف الصحي، وتروي أخت الهذلول أن السلطات لم تحتجز السيدات في السجن من البداية، وإنما في مكان سري في مدينة جدة المطلة على البحر الأحمر. وتقول علياء الهذلول إن القحطاني حضر مرات عدة تعذيب أختها وهددها بالقتل ورمي جثتها في المجاري.
أما"إيمان النفجان"، محاضرة اللغويات والمهتمة بشؤون المرأة، فقد حاولت الانتحار من هول التعذيب البدني والنفسي الذي عانته على يد هذا الفريق في مقر احتجاز سري في جدة، بعد اعتقالها، الصيف الماضي.
ووفق معلومات الصحيفة، فإن النسوة خضعن للضرب والصعق الكهربائي والإيهام بالغرق والتهديد بالقتل وبالاغتصاب أثناء الاستجواب.
وطبقا لمعلومات استخبارية، فإن أعضاء هذا الفريق قاموا بالكثير من العمل العام الماضي إلى حد أنهم طلبوا منحهم مكافأة مالية في عيد الفطر المبارك.!!!
وتعليقاً على التقرير، قال متحدث باسم السفارة السعودية في واشنطن، لـ"نيويورك تايمز" إن السعودية تتعامل بـ"جدية" مع أي مزاعم بشأن سوء المعاملة لمتهمين ينتظرون المحاكمات أو لمعتقلين ينفذون أحكاماً قضائية، مضيفاً أن "القانون السعودي يمنع التعذيب ويحاسب من يسيئون استخدام نفوذهم بهذا المجال، كذلك فإن القضاة لا يقبلون بالاعترافات التي تؤخذ تحت التعذيب.
السلطات السعودية لم تخرج بأي رد حول هذا التقرير أو ما اذا كان هذا الفريق موجود على أرض الواقع أم لا، وهذا الأمر اعتدناه داخل المملكة على اعتبار أن هذه السلطات تفصل نفسها عن الشعب وهمومه ومشاكله وكأننا جئنا من المريخ وهم جاؤوا من كوكب آخر، فبعد حصول أي حدث داخل المملكة من اعتقال أو اختطاف أو اعدام تتحدث كل الدنيا عما يجري داخل المملكة إلا السلطات السعودية تتعاطى مع الحدث وكأنه غير موجود على أرض الواقع وفي حال تعرضت لضغوط دولية كبيرة تقول أنها ستحاسب المقصرين أو تعادي الدولة التي طالبتها برعاية حقوق الانسان وغيرها من الأمور المفقودة داخل السعودية، حتى أن هذه السلطات لاتسمح لأحد بالتدخل بأي تحقيق حتى ولو حصل خارج حدود المملكة كقضية "خاشقجي" التي فضحت فريق ابن سلمان الأمني وأظهرت مدى ضعفه ووحشيته.
حول هذا الموضوع تحدث "بروس ريدل"، المسؤول السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والمحلل الحالي بمعهد "بروكينغر"، حيث قال إن نجاح تركيا في كشف كل ما فعله فريق الاغتيال السعودي بحق "جمال خاشقجي" داخل القنصلية بالصوت، وتسريب صورهم وأسمائهم لوسائل الإعلام، يظهر مدى ترهل هذا الفريق وعدم انضباطه الأمني.
السعودية حاولت الفرار من فضيحة مقتل خاشقجي عبر لعبة اقالة بعض المسؤولين وابعادهم عن الواجهة مثل "سعود القحطاني" واخضاع أخرين مثل "ماهر مطرب" و"ذعار الحربي" للمحاكمة لأبعاد التهم أو أي خيط قد يصل في نهاية المطاف إلى شخص ولي العهد الذي اتهمته وكالة الاستخبارات الأمريكية بالتورط في هذه الجريمة بعد ان جمعت عددا من الخيوط حول الفريق السعودي الذي نفذ عملية اغتيال "خاشقجي"، وخلصت بعد دراسة عدد من عملياته السابقة إلى أن ابن سلمان هو المسؤول عن قتل خاشقجي بشكل مباشر.