بقلم: فيصل التويجري
تعيش الرياض اليوم حالة مضطربة لم تشهدها من قبل، حيث أدخلت نفسها بحرائق لا تستطيع إخمادها، مما وضعها داخل الهشيم محاصرة من جميع الجهات بنيران أزمات وإدانات دولية لا يمكن اطفاؤها مهما حولت السلطة ذلك بسبب انخراطها الكامل في اشعال فتيل تلك الحرائق. فبعد جريمة خاشقجي والتي انقضى عليها أكثر من 150 يوم ها هم من في أعلى هرم السلطة في السعودية في دائرة اتهام جديد بجرائم التعذيب وفق المعايير الدولية وهو ما يستدعي تحقيقا دوليا لكشف الحقائق المخفية التي لا يرضى ولي العهد أن تتكشف لتزيد من وضعه سوءً أكثر ما هو سيء.
وفي سياق محاولات بن سلمان لتأهيل نفسه مرة أخرى أمام الرأي العام الداخلي والعالمي، أنشأ الأخير إمبراطورية إعلامية تساعده على اظهار أنه الوحيد القادر على تقديم الإصلاحات في السعودية. ووفقا لصحيفة الوول ستريت جورنال فإن جريمة قتل الصحفي خاشقجي في قنصلية بلاده أواخر العام الماضي قد أسهمت في فشل هذه الخطة أيضاً حيث قامت شركة فايس ميديا وهي شركة كندية للبث التلفزيوني بالتراجع عن إبرام صفقة مع السعودية لإنتاج برامج وثائقية حول إدخال ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان إصلاحات اجتماعية في البلاد، ووفقا للصحيفة أيضأً فإن الصفقة كانت جزءا من مسعى لولي العهد السعودي لإقامة إمبراطورية إعلامية دولية لتحسين صورة المملكة ومواجهة خصومها وذلك عبر إقامة تحالفات وشراكات مع وسائل إعلام غربية.
الغاء الاتفاق بين فايس ميديا وبن سلمان يعني بشكل مباشر فشله في انشاء هذه الإمبراطورية التي عمل على انشائها منذ وصوله والده الى الحكم مباشرة، حيث قام ولي العهد بالسيطرة على وسائل الإعلام في بلاده مثل قناة العربية ومجموعة MBC الإعلامية، والتي قام بإقصاء رئيس مجلسها السابق الشيخ وليد الابراهيم بعد وضعه تحت الإقامة الجبرية في معتقل الريتز كالترون، وفي تفاصيل اضافية كشفت مصادر وثيقة الاطلاع في مجموعة “أم بي سي” السعودية آن ذاك، ان الأمير محمد بن سلمان استطاع اجبار الشيخ الابراهيم على توقيع تنازل كامل عن المجموعة وذلك بعد اعتقاله في فندق “الريتز”، حيث كان الابراهيم من بين من وافقوا على التسوية ودفع أموال لمحمد بن سلمان... وغيرها من الخطوات وكل ذلك في سبيل مواجهة التأثير الواسع لمنابر إعلامية كبيرة في المنطقة، إضافة الى السيطرة على بعض الوسائل الإعلامية العالمية كصحيفة الإندبندنت البريطانية وشبكة بلومبرغ الأميركية، إضافة الى مجلة ناشونال إنكوايرر الأمريكية التي كرست عدداً خاصاً لاستعراض إنجازات ولي العهد السعودي وتحسين صورته، الا أننا نرى اليوم أن هذه الوسائل الإعلامية أصبحت محرجة أمام قرائها وأصبحت تهاجم ولي العهد دون اكتراث.
اغتيال خاشقجي لم يكن الوحيد الذي أسهم في تبدل نظرة وسائل الاعلام العالمية بل هناك ملفات أخرى أسرعت في عملية إعادة النظر، حيث أن مقتل خاشقجي يضاف إلى سجل طويل من الانتهاكات الموثقة من قبل المنظمات الحقوقية بشأن غياب الاستقلالية عن وسائل الإعلام السعودية وملاحقة الكتاب والصحفيين وأصحاب الرأي واضطهادهم. إضافة الى قضية اعتقال وتعذيب الناشطات السعوديات من قبل مستشار محمد بن سلمان السابق سعود القحطاني. ويقول رئيس الهيئة كريسبين بلانت، عضو في البرلمان عن حزب المحافظين، أنه سيتم إطلاع الجهات المعنية في الأمم المتحدة على التقرير لافتا إلى أنها لم تغب أصلا عن التحيقيق حيث شاركت من خلال لجانها ذات الصلة.
تقرير الهيئة البريطانية البرلمانية سيسلك طريقين الأول في أروقة الأمم المتحدة في سياق المطالبة بتحقيق دولي والثاني إلى الحكومة البريطانية ليدخل في مسار عملية جارية لمراجعة علاقات لندن بالرياض.
ختاماً أضحى السؤال اليوم الى متى سيصمد بن سلمان؟ والى متى ستتعنت السلطة في السعودية في الإبقاء عليه؟ فقد أحرقت جميع أوراقه، كما أن بقاءه يعني المزيد من الخسائر. لا نعلم ما الذي سيحدث الا أننا نعلم أن الانتهاكات التي يرتكبها بحق أبناء شعبه في بلد انبثقت منه قيم عربية أخلاقية ودينية إسلامية واختير منه ما شكل دستور وهوية الدولة السعودية الثالثة قبل نحو قرن فهل تطوى بفعل أزمات وإدانات تفعل كما تفعل قطرات الماء حين تفتت الصخر لا بقوتها بل بتتابعها.