لاشك بأن وباء كورونا المستشري في العالم بات يشكل تحديا كبيرا للدول الكبرى والصغرى، لاسيما على المستوى الاقتصادي، حيث تسارع جميع دول العالم لايجاد حل وايقاف انتشار هذا الفيروس قبل ان يقضي على النظام الاقتصادي العالمي الحالي وقبل ان يهدد سقوط حكومات وملوك ورؤساء، ولاشك بأن النتائج الكارثية لتداعيات انتشار هذا الفيروس تتحملها جميع الدول التي فضلت صناعة الأسلحة الثقيلة وبيعها لدول العالم وحرضت على الحروب لانعاش اقتصادها وكذلك تلك الدول التي صرفت أكثر من نصف ميزانيتها لشراء الاسلحة وتدمير دول بأكملها، وهنا نتحدث عن دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا والسعودية وغيرها من الدول التي رجحت كفة الحروب وتدمير الشعوب على كل ما يخدم الانسانية عبر البحث العلمي وتطوير المجالات العلمية الاخرى، وما يحصل اليوم ما هو الا نتيجة جشع بعض الدول وبعض الزعماء السياسيين للحفاظ على كراسيهم، والسؤال هل بإمكان هؤلاء سباق الزمن والحفاظ على هذه الكراسي بعد انتشار جائحة "كورونا"؟.
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يحاول ان يسابق الزمن ويستغل انشغال العالم بأزمة كورونا، ليعود ويخطف الأنظار من جديد ولكن هذه المرة ليس عبر اغتيال مواطن سعودي في قنصلية بلاده خارج الحدود، وليس عبر حصار دولة جديدة أو الحديث عن مواجهة ايران، وانما عبر الدعوة بشكل عاجل لعقد اجتماع عبر الفيديو لوزراء المالية وحكام المصارف المركزية في دول مجموعة العشرين بهدف "النهوض باستجابة عالمية منسّقة بشأن جائحة كوفيد-19"، وبالفعل تم عقد الاجتماع يوم الثلاثاء ، في محاولة أخيرة لولي العهد السعودي لاستعادة مكانة المملكة وسمعتها بعد أن كانت تتجه نحو "العزل" لولا "كورونا" الذي اعطى المملكة بارقة أمل مؤقتة، قد يتمكن ابن سلمان من استعادة جزء مما خسره في حال استطاع استغلال هذه "الجائحة العالمية"، ولكن عليه بداية ً أن يحطم نرجسيته وأسلوبه البالي في ادارة الازمات.
"كورونا" سيكون له بدون ادنى شك أثر كبير على الاقتصاد العالمي، وتضافر الجهود العالمية لايقاف انتشار هذا الفيروس وايجاد حلول للخروج من الازمة المالية التي سيسببها "الفيروس" هو أمر جيد ومهم، ولكن لا نعتقد ابدا ان آل سعود أقدموا على هذه الخطوة لهذه الأسباب، وانما للأسباب التالية:
أولاً: شهدت السياسة الخارجية السعودية فشلا ذريعا خلال الاعوام الماضية، وتعمق هذا الفشل أكثر بعد جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، في إسطنبول في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، حيث فقد العالم ثقته بالنظام السعودي، وكان الحل الوحيد عبر شراء الولاءات العالمية ودفع أموال طائلة للتغطية على هذه الجريمة، كان للولايات المتحدة الامريكية حصة الاسد منها، ومع ذلك عمقت هذه السياسة الشرخ بين السعودية وجيرانها الخليجيين وكذلك الاقليميين، ووصل الخلاف مع تركيا إلى ذروته، وكادت السعودية ان تنخرط في حرب مباشرة مع ايران، ناهيك عن حربها الاجرامية على جارتها اليمن، والتي كانت سبب رئيسي في نزيف الاقتصاد السعودي، ولاتزال كذلك، وفي حال استمرت المملكة في حربها هذه ألف اجتماع لقمة العشرين لن يحل لها مشكلتها.
ثانياً: في الآونة الأخيرة أقدم ولي العهد السعودي على سلسلة اعتقالات، كان ابرزها اعتقال الأمير أحمد بن عبد العزيز، الشقيق الأصغر للملك سلمان، واعتقال الأمير محمد بن نايف، ولي العهد السابق، وكان ابن سلمان يريد من خلال هذه الاعتقالات ضمان وصوله الى العرش بسلاسة ولكنه في نفس الوقت يعلم ان مثل هذه الخطوات قد تكلفه "العرش"، لذلك لابد من الحصول على حماية خارجية واعادة الامور الى ما كانت عليه في العلاقات الخارجية ومن هنا فإن انعقاد قمة العشرين في المملكة يعتبر نافذة مهمة لكسب الثقة من الدول الاجنبية وفي نفس الوقت التغطية على النزاعات الداخلية في المملكة.
ثالثاً: ابن سلمان في ورطة اقتصادية كبيرة بعد فشل رؤية "2030" وكذلك الاكتتاب على ارامكو، وانخفاض اسعار النفط، وما تلاها من حرب نفطية مع روسيا، سترهق الخزينة العامة السعودية وتدفع المملكة نحو المزيد من الاستدانة، لذلك فإن الاتجاه نحو تفعيل السياسة الخارجية الاقتصادية قد يفتح لولي العهد السعودي قنوات جيدة بعد انتهاء ازمة "الكورونا" للخروج من ازمته الاقتصادية الخانقة.
في الختام؛ الأهم مما سبق ان ابن سلمان بدأ يشعر بالخطر بعد ان اجتاح "كورونا" الولايات المتحدة الامريكية وهذا سيهدد عرش ترامب لا محالة وفي حال لم يتمكن ترامب من الفوز في ولاية ثانية سيكون ابن سلمان في ورطة كبيرة، خاصة وان ولي العهد السعودي غير سياسة المملكة برمتها من علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة الامريكية الى علاقة شخصية مع ترامب وصهره كوشنير وبالتالي فإن رحيل ترامب سيشكل خطر كبير على ابن سلمان قبل وصوله الى العرش.