طلال حايل-التغيير
في العودة إلى ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي؛ يمكن أنّ نرى علاقة الود التي كانت قائمة ما بين حكومة آل سعود وحركة الإخوان المسلمين، حيث وجد كل طرف في الآخر طوق نجاة، وفي العُشرية الأولى من القرن الحالي؛ وبعد قطيعة طويلة عادت العلاقات بين آل سعود والإخوان متينة كما كانت عليه سابقًا، وبالطبع بحث الجانبان عن الفائدة المُتبادلة من هذه العلاقة، واليوم يُحاول آل سعود إعادة لعب هذه اللعبة بعد أن تورطوا في أكثر من مكان، إذ لا يبدو أمامهم من حل سوى الاستعانة بالتنظيم، ولكن هذه المرّة ليس لجني أيّ فائدة، بل لتقليل حجم الخسائر التي ينتظرها آل سعود بعد تشعب علاقاتهم وعدم قدرتهم على ضبط إيقاع تلك التدخلات.
البوابة القطريّة
كشفت تقارير إعلامية أنّ آل سعود يُحاولون طرق البوابة القطرية لإنهاء الخلاف بينهما، وما يتبعه هذا الأمر من إعادة للعلاقات بين الدوحة والرياض، ويعني هذا الأمر أيضًا لو تم إعادة العلاقات بين التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وآل سعود، وأكدت التقارير على أن آل سعود طلبوا من العُمانيين والكويتيين إعادة العلاقات بين الدولتين وهي المقطوعة بعد أن أعلنت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصار قطر، وما تبعه ذلك من حرب غير معلنة بين الجانبين.
واختار آل سعود بوابة الدوحة للعودة منها كونهم يعرفون التأثير القطري على مُجمل السياسيات والجماعات الإخوانية إن كان في مصر أو ليبيا أو سوريا أو حتى السودان، لذلك كان لزامًا عليهم أن يتنازلوا عن شروطهم الكثيرة مُقابل المنافع التي ستُحققها المصالحة مع الدوحة.
لماذا الآن
حتى الآن لا يوجد أي تعليق من قِبل الجانب القطري، غير أنّه من المُرجح عودة العلاقات خصوصًا وأنّ الرياض تنازلت عن شروطها الثلاثة عشر، ويرى مُراقبون أنّ الدوحة رضخت مُجبرة لإملاءات (أمريكية – تركية)، حيث تعمل واشنطن على تخفيف حدّة أيّ صراع بين الدول الخليجية خصوصًا في حالة التوتر التي تشهدها منطقة الخليج.
أما تركيّا فتحاول نزع فتيل الخلاف بين الدوحة والرياض لما يحمله الأمر من فائدة اقتصادية لها، خصوصًا وأنّها باتت تعاني اقتصاديًا مع انخفاض قيمة الليرة التركية المستمر أمام الدولار، ومن ناحيةٍ أخرى ترغب أنقرة بقطع العلاقات بين الرياض والقوى الكردية المُناهضة لها في سوريا والعراق.
ماذا يُريد آل سعود؟
بعد أن فهمت الإمارات أنّها دخلت في مُقامرة في عدوانها ضد اليمن؛ وقررت بعدها الانسحاب، وجد آل سعود أنفسهم وحيدين في المستنقع اليمني، وكان لزامًا عليهم إعادة صياغة خريطة تحالفاتهم في اليمن، وهنا يبرز دور تنظيم الإخوان المسلمين في اليمن والممُثل في حزب التجمع اليمني للإصلاح ذو الخلفية الإخوانية والذي يُعدُّ من أكبر الأحزاب السياسية هناك، مع امتلاكه لميليشيات قويّة ومؤثرة على الساحة اليمنيّة، حيث ترغب الرياض بإعادة العلاقة مع هذه الميليشيات لتقوية نفوذها في اليمن.
أكثر من ذلك؛ عادت الرياض إلى سابق عهدها في التدخل في الشأن السوري، وذلك من خلال مُشاركتها في تدريب عدد كبير من الميليشيات التي تُقاتل الحكومة السورية، حيث عادت الرياض وبمشاركة عمان وواشنطن بافتتاح غرفة (الموك) وباتت تُشارك فعليًا تدريب الميليشيات في معسكرات خاصة في الأردن، وهي ميليشيات معروفة بعدائها للأكراد الذين كانت الرياض تُحاول دعمهم سابقًا.
أكثر من ذلك؛ يأتي تحرك آل سعود هذا بعد انحصار خشية آل سعود من الثورات العربية ومفرزاتها الانتخابية، حيث كانت هذه الثورات تُهدد عرش آل سعود، واليوم فقد باتوا مُتيقنين من أنّ أحدًا في جزيرة العرب لن يفكر بالثورة بعد كميّة القمع التي نفذها آل سعود، وكيف وقف آل سعود مع الثورات المضادة في مصر وليبيا والسودان.
بناءً على ما سبق؛ من المُتوقع أنّ علاقات آل سعود والإخوان ستكون مُستقبلًا مبنيّة على ابتعاد الإخوان عن العمل داخل الجزيرة العربية بكافة بلدانها، مع دعم سعودي لهم في أكثر من مكان لهم في العالم ولا سيما تركيا (العدالة والتنمية).
أما التنظيم الدولي للإخوان وهو المعروف ببراغماتيته، فيعرف جيدًا كيف يصطاد أيّة فرصة تسنح له، وهو يعلم جيدًا أيّة منافع تنتظره في حال إعادة المصالحة بين تميم وابن سلمان، إذ ليس أقل تلك المنافع الكف عن تصنيفه بأنّه تنظيمٌ إرهابي، كما أنّ عودة العلاقات بين الرياض والدوحة من شأنها أنّ تعطي التنظيم فرصة لالتقاط أنفاسه، بعد أن أصبح أتباعه مُطاردين في أكثر من دولة حول العالم، الأمر الذي سيعطي التنظيم فرصة أكبر للعودة إلى العمل والتحرك بسلاسة أكبر في أكثر من منطقة حول العالم.