بقلم: جمال حسن
تواصل السياسة السلمانية إجراءاتها التقشفية رغم تصنيف المملكة كأكبر مصدر للنفط في العالم، سعياً منها لسد عجز الموازنة العامة والإنكماش الاقتصادي الذي يعاني من ضعف النمو وشح الإنتاج والتضخم والإرتفاع الكبير في الإنفاق العسكري والأمني والتكاليف الباهظة لحرب اليمن مع تزايد البطالة، والتقديرات الدولية المخيفة تشير الى أن مستقبل الإقتصاد السعودي غامض وآيل الى الإنهيار والتدهور ما دفع بالكثير من رؤوس الأموال الأجنبية الهروب الى خارج السعودية.
وزارة المالية السعودية كانت قدرت إيرادات الميزانية العامة لعام 2018 بـ 783 مليار ريال بينما بلغت تقديراتها للنفقات العامة بـ 978 مليار ريال ما يعني أن مقدار العجز المتوقع يبلغ 195 مليار ريال أي أضعاف قيمة تكاليف المشاريع التي تم الاعلان عنها من قبل سلمان ونجله ومن بينها مشروع "نيوم" الذي يتضمن مجمع من القصور الملكية وبتكلفة تقدر بـ 500 مليار دولار وسيتم الإنتهاء من مرحلته الأولى مطلع عام 2025 .
تقرير للمؤسسة الاقتصادية الأوروبية يقول أن الاقتصاد السعودي يواجه مجموعة أزمات، بينها عجز الموازنة البالغ أكثر من 52 مليار دولار، ونمو اقتصادي ضعيف، وتضخم مرتفع، وبطالة متزايدة، وتضخم في الإنفاق العسكري، حيث خصصت الحكومة ثلث الموازنة للقطاعين العسكري والأمني (83 مليار دولار، من إجمالي الموازنة المقدرة بنحو 261 مليار دولار(، الى جانب فاتورة حرب اليمن المفتوحة وزيادة الدين العام، وتداعيات سياسة ولي العهد الأخيرة التي أثارت حفيظة وقلقل دول العالم خاصة تلك الحليفة للرياض.
كما قدرت وزارة المالية السعودية إرتفاع المصروفات المقدرة للعام الحالي بـ52 مليار ريال مقارنة بمصروفات العام الماضي، معلنة أن الميزانية العامة لـ 2017 عانت عجزاً بلغ 230 مليار ريال. ما يؤكد رسمياً أن الاقتصاد السعودي يعاني من كساد عام ليس بسبب عدم وجود موارد ولإعتماده المفرط على عائدات النفط المتدنية بسبب الأزمة الحالية، فحسب بل أن ما يدور على الساحة الدولية بسبب قضية قتل الصحفي جمال خاشقجي زادت الأمور تدهوراُ وهو ما لم يضعه الدب الداشر لآل سعود في الحسبان عندما أمر بقتله، وفق ما توصلت اليه وكالة الاستخبارات الأمريكية قبل أيام والذي وضع الرئيس الأمريكي ترامب وصهره كوشنر في زاوية الحلبة بدفاعهم عن الأرعن صاحب المنشار محمد بن سلمان ومساعيهم لإنقاذه من التهمة دون جدوى.
وتشير التقارير الدولية الى أن الشعب السعودي يعيش الغلاء والتضخم وإرتفاع في أسعار المحروقات وإنهيار الأسواق العقارية والبورصة وتفشي الفقر والبطالة وتزايد أعباء الغلاء والتضخم، والذي تجاوز كثيراً أعلان السلطات بإرتفاع تكاليف المعيشة الى 5.7% للعام الجاري، الى جانب فرض الدولة ضريبة القيمة المضافة والتي بلغت نسبة 5-15% على أغلب السلع والخدمات والضريبة الإنتقائية على عدد من المنتجات. ما يشير الى أن مملكة البترول أمام سلسلة من الأزمات الإقتصادية تجعلها في مواجهة تحد كبير سيقود باقتصادها نحو الإنهيار، والمستقبل لا يبدو سارا أبداً باستمرار هذه السياسة وبقاء سلمان ونجله الطائش في السلطة.
وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية أعلنت عن رفع قيمة الصكوك المحلية في إطار تكثيف معدلات الاقتراض الداخلي لمواجهة احتياجات الانفاق العسكري المتزايد، والذي أدى الى تسجيل المملكة ديونا غير مسبوقة وصلت خلال العام الحالي الى 116.8 مليار دولار. ليقفز الدين العام للمملكة بنسبة 40% خلال العام الجاري، الى 555 مليار ريال، وبزيادة قدرها 117 مليار ريال مقابل 316.5 مليار ريال (84.4 مليار دولار) العام الماضي، ونحو 11.8 مليار دولار عام 2014، ليشكل نحو 17% من الناتج المحلي في 2017، فيما كان 13.1% عام 2016؛ مع توقعها إرتفاع في معدلات البطالة الى أكثر مما كان مخطط عليه والذي بلغ أكثر من 12.9 % نهاية الربع الثاني من العام الجاري.
هذا وتوقع صندوق النقد الدولي أن يستمر عجز الموازنة السعودية في الانخفاض في العام 2018 ليصل الى نسبة 4.6 % من الناتج المحلي الإجمالي، مشيراً الى أن إرتفاع الإنفاق العسكري والدين العام يزيد من ظلامة الوضع الاقتصادي للمملكة خلال العام 2019؛ فيما تفيد إحصائيات منظمة العمل الدولية بأن البطالة تتفشى وسط الشباب السعودي، حيث بلغ معدل البطالة للفئة العمرية (15-24 سنة)، أكثر من 25% في 2017، وتشير أرقام المنظمة الى أن درجة البؤس بين مختلف طبقات الشعب السعودي ستستمر في الارتفاع خلال السنوات القادمة.
كما أن البنك الدولي وفي تقريره "الآفاق الاقتصادية للسعودية" الصادر في 16 إبريل/نيسان 2018، حذرة السعودية من خطورة ارتفاع نسب الفقر في السنوات القادمة لإنعدام الفرص الاقتصادية المتاحة للمواطنين، مع إرتفاع الميزانية العسكرية للبلاد واستمرار الحرب على اليمن وسياسة الطيش القائمة، وبقاء أسعار النفط عند مستوياتها المنخفضة ما يهدد استمرارية تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي في المملكة بشكل كبير. فيما الواقع المرّ مناقض تماما لتلك الصورة البرّاقة والتي تتفنَّن في رسمها كل مرة الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة في تحسين صورتها دوليا والإخفاء المحكم لآفة الفقر المتفشية بشكل واسع بين شرائح المجتمع لسبب الفجوة الواسعة بين طبقة الصفوة وباقي المواطنين البسطاء في المملكة، وتتحمّل البطالة جزءا كبيرا من المسؤولية عن الفقر الذي تسلّل الى المجتمع السعودي، ما دفعها الى إيجاد "حساب المواطن" كاشفاً ملامح الفقر المتنامية في البلاد والذي دخل حيّز التنفيذ في ديسمبر/كانون الأول 2017 حيث أنّ عدد المستفيدين منه بلغ 12.5 مليون شخص في يونيو 2018، وتجاوز الدعم المالي المخصّص لهذا الحساب لحد الآن 32 مليار ريال (8.5 مليارات دولار)، وذلك في الوقت الذي تزيد فيه الدولة بندا واحدا فقط وهو الضرائب بنحو 45 مليار ريال (12 مليار دولار)، فضلا عن رفع أسعار خدمات الكهرباء والمياه والوقود.
وقد أوضحت وكالة “بلومبرغ” أن صافي التدفقات الأجنبية الخارجة من “السعودية” بلغ منذ مطلع شهر أكتوبر أي عندما أختفى خاشقجي بلغ أكثر من 2 مليار دولار وفق إحصائية لرئيس قسم الاستراتيجية بالشرق الأوسط التابع لقطاع البحوث بمجموعة "هيرميس"، من جهتها ذكرت وكالة “رويترز” أن السعودية تشهد أزمة إقتصادية خانقة نتيجة تردّي البرامج الإقتصادية التي يقودها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بفعل عدم انسجامها مع متطلبات القطاعات والأسواق الاقتصادية في البلاد وفق محللين اقتصاديين.
تقرير لمؤسسة النقد العربي السعودي ليوم الخميس الماضي توقع ارتفاع في معدل التضخم بالبلاد خلال الربع الرابع من العام الجاري، معترفاً الى إرتفاعه بنسبة 2.2 في الربع الثالث 2018، مقارنة بالربع الثاني من عام 2018، فيما شهد سوق البورصة السعودية انخفاضاً حاداً وهروباً غير مسبوق لأسهم المستثمرين الأجانب. فقد تراجع المؤشر الرئيسي للسوق بنسبة 1.3%، فاقداً 98.87 نقطة، ليهبط لمستوى 7549.77 نقطة خلال تعاملات منتصف اليوم، وسط هبوط أسهم 159 شركة.
وبلغت مبيعات الأجانب في الأسهم السعودية 4.01 مليارات ريال، خلال الإسبوع الماضي ليسجل بذلك أكبر موجات البيع منذ فتح السوق أمام الشراء الأجنبي المباشر منتصف 2015. وتواصل البورصة السعودية تراجعها رغم إعلان شركات ومؤسسات كبرى عن صفقات بعشرات المليارات من الدولارات.