قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}- سورة الرعد الآية 11.
بتنا جمهور يصفق لحاكمه الظالم المتفرعن فيما الأخير أسكره العرش فأخفى قمعه الدموي وسيف الحربة التي يلوح به لكل من يعارضه بذبابه الإلكتروني ووسائل إعلامه المزيفة وفتاوى وعاظ بلاطه السفهاء، متمسكاً بقول احد طواغيت بني العباس "يا بني لو نازعتني عليه لقطعت الذي فيه عينيك".
قد جهلنا حتى الحرف.. ولم نعد نعرف حتى طعم الخبز، واقفلنا أفواهنا بالصمت وتسمرت عقولنا بقبول وعود الوهم.. وسمحنا لهم بأن يغتصبونا كل يوم ألف مرة، ونحن نصفق لهم ونهتف "بالروح بالدم..".
واضحينا ضمن الشعوب المعدودة التي تهوى من يغتصب عقولها، ونتجنب كل ما من شأنه أن يوقظنا للدفاع عن حرياتنا وشرفنا وحقوقنا.. الخوف على أرواحنا وأهلنا يدفعنا للصمت، ولم نعد نقوى حتى النبس بكلمة الحرية مع أنفسنا حيث طغاة السكر وعربدة الشيطان غسول عقولنا باسم الدين المزيف.
قال الرسول الأكرم (ص): "كَمَا تَكُونُونَ يُوَلَّى ـ أَوْ يُؤَمَّرُ ـ عَلَيْكُمْ" - رواه أكثر من مؤلف منهم: الزَّرْكَشِيُّ فِي (اللَّآلِئُ المَنْثُورَةِ فِي الأَحادِيثِ المَشهُورَةِ)، بَابِ الفِتَنِ، رَقمُ الحَدِيثِ (211), والعَجْلُونِيّ فِي (كَشْفُ الخَفَاءِ وَمُزِيلُ الإِلبَاسِ عَمَّا ٱشْتُهِرَ مِنَ الأَحادِيثِ عَلَى أَلسِنَةِ النَّاسِ)، (ج2/ ص166)، رقمُ الحَدِيثِ (1997), نقلاً عن البَيهَقِيُّ فِي (شُعبُ الإِيمانِ)، الأَحادِيثِ (7006)، (7388)، و(7389)، و(7392)، وٱبْنُ جَميعِ الصَّيدَاوِيّ فِي مُعجَمِهِ، والطَّبْرَانِيُّ، وَأَبُو نَعِيم فِي الحُلْيَةِ (4/467), و(6/20)، و(7/140)، والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ والقضاعي في مُسْنَدِهِ و... غيرهم.
لقد سمحنا لآل سعود أن يحكمونا ببداوتهم المتخلفة ووهابيتهم الإجرامية التكفيرية النفاقية، فأبقونا شعب مفكك مذهبياً وقسمونا قبلياً ومناطقياً وبثوا الخلافات الدينية والعرقية فيما بيننا كشعب الجزيرة العربية، وباتوا هم "الأعلون" و"الأسرة المختارة"، تماشياً مع ما أصدرته مراكز الأبحاث الصهيونية في سلسلة ندواتها.
فبات الخداع والتزوير السياسي حلال عليهم فيما دعواتنا للحرية والتعبير عن الرأي والمشاركة في القرارات السياسية والاجتماعية جريمة لا تغتفر شرعاً، وسلطة تحكم على كل من ينادي بها بسيف الحرابة بطائلة "الخروج على الولي".
وما أكثر خداع الذراعين السياسي والديني الحاكمين في بلاد الحرمين وطيلة القرون الثلاثة الماضية يشهد عليها الزمان والعصر، فيما لا زلنا شعب يذهب بملئ إرادته الى الهلاك والإندثار ولا يتعظ ولا يبصر ما يدور من حوله من انتهاكات لأبسط حقوق الانسان من شرق البلاد الى مكة حتى القطيف ومن القصيم حتى نجران.
لقد بات مكر آل سعود ومن لف لفهم من وعاظ ودعاة وذباب الإلكتروني ووسائل اعلام منحطة ولجنة رفاهية تفسيق الشارع السعودي، ينخرون بنا ويزيدون من آلامنا وفقرنا ويقمعون أبسط حقوقنا فيما لا زلنا نلتزم الصمت خوفاً على أرواحنا.
فلم يعد الموت مرعباً في وطني طالما الحياة فيه باتت أكثر رعباً وأشد فزعاً حيث المواطن لا أمان له من قوات "محمد بن سلمان" الأمنية، تكسر أبواب البيوت وتخترقها منتصف الليل لتخطف أبنائنا وفلذات أكبادنا ويذهب بهم الى ما لا عودة، حتى أجسادهم تبقى محتجزة يباع قسم كبير من أعضائها في سوق الأعضاء الإجرامي.
لقد طال زمن مسرحية الموت في بلاد الحرمين حتى مات المشاهد خوفاً وفزعاً ولم ينته بعد العرض، وباتت رقاب الأحرار تعلق على المشانق وصدورهم يخترقها الرصاص وأعناقهم يبترها الجلاد إرضاء للحاكم المتفرعن المتجبر، فيما الخونة الذين امتلأت بطونهم مال النهب والسرقة من لقمة عيشنا يواصلون التصفيق نيابة عن شعبنا.
هذا هو وطني.. عندما يكبر المجرم واللص يصبح ملكاً أو مسؤولاً.. و كل واحد منا أحلام لا تسمعها حتى شفتيه، ويموت قبل أن يتمكن من النطق بها.. فبات الموت يضحك لنا، والحياة تبكي علينا حزناً للذل الذي نعيشه ونحن نخاف النهوض من أجل استقلال الوطن والمطالبة بأبسط الحقوق.
فيما باعة الوطن من ملوك وأمراء ومسؤولين متملقين ووعاظ ودعاة و... ينعمون بالأمن والترف والفسق والفجور على حساب لقمة عيشنا، ومستقبل ابنائنا وسط صمت المتشدقين بحقوق الإنسان وحرية التعبير عن الرأي الذي باعوا ضمائرهم بمال بترولنا المنهوب.
في وطني.. لا معنى بل لا مكان العدالة وأصبحت المساواة عنصرية والحرية جرم واستبداد تغتصب المصطلحات وتستنفر الكلمات، فيموت من أجلها كل من يستحق الحياة على يد من لا يستحقها .. فهذا خائن للقضية، وذاك باع الوطن، والص الحاكم يسرق الغذاء من أفواه الشعب المسكين المغلوب على أمره.. آه ثم آه ثم آه.. يا وطني الجريح.
لقد دفعونا نحو الظلمة والجهل السياسي والاجتماعي حتى باتت مقول أحد الديكتاتوريات "قيادة شعب جاهل أسهل من قيادة شعب متعلم، لأنه قد يقوم بثورة ضد حاكمه" تنطبق علينا جملة وتفصيلاً. فلا معارضة يمكن الاتكال عليها ولا ثورة لمثقفينا ومتعلمينا ودعاتنا كي نعتز ونتمسك بها لتقودنا الى بر الأمان.
فالجهلاء المتملقين المنافقين المارقين باتوا يضحكوا على ذقوننا وهم يرقصون طرباً ويسكرون فرحاً في بلاد الحرمين الشريفين تحت رعاية العهد السلماني في مراقص الحلال في جدة والرياض والدمام و... بميزانية لجنة الترفيه التي باتت تضاهي موازنة قطاعات الصحة والتعليم والمواصلات في البلاد.
لكنني سأبقي قلمي الذي لا يذرف إلا بحبر الحقيقة مهما كانت مُرَّة ينحت الحروف ليشكل الكلمات ويسطر السطور، لينادي بحريتي وحرية أبناء جلدتي واستقلال بلادي دون خوف أو وجس أو فزع.. فقم يا قلم وأكتب وذكر الشرفاء من أبناء شعبي وأحرارهم بأنه حان وقت النهوض ضد الظلم والطغيان...
استنفر يا قلمي وذكر.. ولا تتكاسل ولا تتخوف فيصيبك المكر كما أصاب أصحاب الذقون وعمائم الدعوة ووعاظ المنابر الذين باعوا دينهم بدنيا دراهم معدودات؛ فتنتهي وتُكسر.. فطوبى لمن أوفى لدينه ووطنه وشعبه وقام وعمل وصرخ ونادى بالموعظة وسهر الليالي لتوعية الشارع في بلاد الحرمين، فبلغ العلى وأضحى رمزاً للأجيال القادمة بين شهيد وقابع في سجون آل سعود لا يُعرف عن مصيره لأنه لم يلتزم الصمت خوفاً على حياته.
في بلادي.. باتت الأخلاق فعل ماضي، والعنف فعل أمر، والحرب فعل مضارع، والحاكم فاعل، والشعب مفعول به، والمال مفعول لأجله، والفساد متفشي بأمر من الحاكم، والرواتب ممنوعة من الصرف بسبب عجز موازنة القمار والطرب، والضمير غائب، والوطنية خيانة لا تغتفر.
وأضحى الصدق جرم يعاقب عليه القانون، والدعوة للتغيير والحرية تنهي بسيف الحرابة، والكذب مرغوب لتمشية الأمور، والانتهازية محبوبة لدى السلطان، والخزينة إسم مجرور من أجل تأمين طرب وطيش وفسق وفجور أرعن آل سعود ومن لف لفه..
وبات الفقر حال شعب بلاد الذهب الأسود، والأوجاع ظرف مفروض، والحياة ساكنة دون حراك، والسرور بعيد المنال، والحزن والبكاء والعويل والنحيب بضاعة يومية في أسواق عوائلنا.. فلا عجب في أن يكون المستقبل مبني للمجهول.