المقالات المنشورة تعبر عن وجهة
نظر
أصحابها
ولا تعبر بالضرورة
عن وجهة نظر الموقع
بقلم: عبد الرحمن الهاشمي…
في ذروة التوترات الإقليمية المتصاعدة، ومع تصاعد موجة الغضب العربي على وقع العدوان الإسرائيلي الأخير على إيران، يطلّ تركي الفيصل، الأمير والدبلوماسي الاستخباراتي المخضرم، بمقال نُشر في صحيفة "ذا ناشيونال" في 26 يونيو 2025، يعلّق فيه على تطورات المشهد. غير أن النص لا يصدر عن موقع مستقل أو منحاز لقضية، بل يعكس توازنا حذرا بين امتصاص المزاج الشعبي المنتقد ل(إسرائيل) وبين الحفاظ على ثوابت السياسة السعودية التقليدية. فالمقال لا يُفهم بوصفه تعبيرا عن مراجعة جذرية أو تحوّل في الرؤية الرسمية، بل كتحرك اتصالي محسوب، يستبطن ازدواجية الخطاب السعودي أكثر مما يكشف عن نية في إعادة التموضع الاستراتيجي.
منذ الأسطر الأولى، يفتتح الفيصل مقاله بما يشبه المبالغة الاستعراضية "في عالم عادل، كان ينبغي أن تُقصف ديمونا بالقاذفات الأمريكية لأنها منشأة نووية غير خاضعة للرقابة". جملة صادمة لأول وهلة، لكنها تنطوي على تناقض جوهري؛ فصاحبها لا يطالب بذلك فعليا، بل يستخدمها لانتقاد المعايير المزدوجة الغربية. لكنه في الوقت نفسه، لا يجرؤ على تسمية (إسرائيل) كعدو مباشر أو تحميلها وحدها مسؤولية التصعيد. إنها طريقة التفافية في إظهار الغضب دون الإضرار بتموضع السعودية الراهن.
وفي سياق نقده للغرب، يستعرض الفيصل الانحياز الغربي ل(إسرائيل)، كاشفا عن النفاق في مواقفهم من أوكرانيا مقابل سكوتهم عن العدوان الإسرائيلي على فلسطين. هذا النقد، وإن بدا في ظاهره صريحا غير مسبوق في سجل مواقف الفيصل من (إسرائيل)، فإنه يفتقر إلى العمق السياسي؛ إذ لا يتجاوز وصف الازدواجية إلى طرح تساؤلات جادة حول الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، أو علاقة (السعودية) نفسها بهذا المحور. فبدلا من تحليل الاصطفافات الإقليمية، يكتفي المقال بالإيحاء بأن العرب وحدهم هم من يملكون موقفا أخلاقيا، في تجاهل تام لتحالفات "المملكة" وخطواتها التطبيعية المتسارعة.
وتبرز هنا نقطة حاسمة تكشف خلفية ودوافع هذا الخطاب، إذ لا يمكن فهم المقال بمعزل عن السياق الذي صدر فيه؛ تصاعد الإبادة في غزة، وملابسات وقف إطلاق النار بعد الضربات الصاروخية الإيرانية الدقيقة والمدمّرة التي استهدفت عمق الكيان الإسرائيلي خلال حرب الـ12 يوما. فمقال "الفيصل" يؤدي وظيفة سياسية محددة، من جهة، التغطية على الانزلاق السعودي المتسارع نحو التطبيع العلني، عبر خطاب انتقادي شكلي ل(إسرائيل) يصدر عن شخصية لطالما تبنّت مقاربات تصالحية معها في المحافل الدولية. ومن جهة أخرى، النيل من إيران إعلاميا في لحظة ارتفع فيها رصيدها في الرأي العام الإسلامي، عبر تقديمها كعنصر تخريب وتهديد، لا كطرف ردع فعّال. إنه خطاب وظيفي بامتياز، يلتف حول القضية الفلسطينية بغلالة إنسانوية زائفة وحرف الأنظار عن المواقف السعودية الحقيقية المتقاطعة مع العدو الصهيوني في مخطط التخلص من المقاومة.
وحين يتحدث عن التحولات في الرأي العام الغربي، لا يُخفي إعجابه بما يسميه "الوعي الشعبي الداعم لفلسطين"، لكنه يتجنب طرح أي التزام سياسي سعودي يستثمر في هذا الإعجاب وتحويله إلى موقف ضاغط. فالمقال ينتمي إلى ذلك النمط من الخطاب الذي يتوظّف في اللغة من دون أن يفضي إلى إلتزامات، ويُجيد اللعب على التناقض بين الإحالة إلى ضمير الأمة، وتجاهل الفعل السياسي الذي يُفترض أن يجسده هذا الضمير.
ليست المفارقة أن المقال بدا أكثر حدة تجاه إيران منها تجاه (إسرائيل)، بل إن هذا التفاوت مقصود بعناية، يعكس إعادة تراتُب للخصومات بما يخدم المشروع السعودي الآخذ في التشكّل. فبينما تُقارب (إسرائيل) بلغة نقدية مضبوطة، تحفظ لها موقع "الخصم المقبول"، تُشيطن إيران باستخدام مفردات مُكرّرة مثل "الأنشطة الخبيثة" و"الميليشيات"، دون أي محاولة لقراءة خطورة العدوان الاسرائيلي على إيران ولا إلتقاط المتغير الاستراتيجي النوعي في حرب الـ12 يوما. بهذا، يتحوّل المقال إلى أداة وظيفية لا لفضح العدوان، بل لتوجيه بوصلة الغضب الشعبي بعيدا عن تل أبيب، نحو طهران، التي ارتفع رصيدها في الشارع العربي بعد ضرباتها الدقيقة والموجعة.
وبدل أن يواصل نقده ل(إسرائيل)، ينقل الفيصل تركيزه إلى تحميل واشنطن المسؤولية، معتمدا لغة مواربة، يتحدث عن دعم أمريكي لغارات إسرائيلية من دون أن يسميها عدوانا. فحتى حين يشير إلى القصف داخل إيران، لا يرفقه بأي إدانة، بل يكتفي بالإشارة إلى أن هذه العمليات تجري "تحت غطاء أمريكي". هنا تبرز الازدواجية في تحميل المسؤوليات، وكأنما المقصود من نقد (إسرائيل) ليس سوى واجهة مؤقتة، يُعاد من ورائها تثبيت العداء المحوري لطهران.
وفي لحظة يُفترض أن تُستثمر في تحديد واضح للمسؤوليات الدولية عن الانفجار الإقليمي، ينزلق المقال إلى تبييض رمزي لأكثر الأطراف تورطًا. فإلى جانب الصمت شبه التام عن الدور الأمريكي المباشر في العدوان، يقدّم تركي الفيصل "دونالد ترامب" كاستثناء محتمل من انحيازات الغرب، ويخاطبه بلغة توحي بإمكان "الإصغاء لصوت السلام"، كما لو أن الرجل لم يكن الأشد انحيازا ل(إسرائيل). هذا التجميل الضمني ليس سوى محاولة التفاف لغوي لتجنّب الصدام مع الحليف الأمريكي، مقابل تسجيل موقف رمزي في خاتمة المقال يعلن فيه عزوفه عن زيارة الولايات المتحدة ما دام ترامب في السلطة. مفارقة تكشف البنية المزدوجة لخطاب الفيصل: إدانة لفظية لا تمس ركائز التحالف الاستراتيجي.
يتعمّد المقال القفز فوق السؤال الجوهري المتعلق بموقع السعودية من المشهد الإقليمي الراهن، في لحظة شديدة التعقيد يتقاطع فيها التصعيد الإسرائيلي المستمر في غزة مع تداعيات العدوان على إيران، وضغوط أمريكية متزايدة لدفع الرياض نحو إعلان تطبيع كامل. ومع ذلك، يتبنى تركي الفيصل نبرة مراقب خارجي، يتفنن في توزيع اللوم بين طهران وواشنطن، متجاهلا عمدا مسؤولية (السعودية) كفاعل إقليمي رئيسي. هذا الإغفال الممنهج لا يعكس فقط تواطؤا مع السردية الرسمية، بل يشير إلى محاولة واعية لتجنيب الحكم السعودي أي مساءلة سياسية أو أخلاقية في لحظة يُعاد فيها رسم الخرائط الإقليمية وتثبيت وقائع جديدة على الأرض.
حتى حين يحذر من خطر الحرب الإقليمية، لا يحمّل (إسرائيل) أو واشنطن أو العواصم العربية مسؤولية التراكمات التي قد تفضي إلى الانفجار، ولا يتساءل عمّن يصعّد، ولا يعالج ديناميكيات التوتّر، بل يكتفي بإطلاق نبوءة كارثية، يتوارى خلفها الخطاب عن أي تحليل جاد أو مساءلة صريحة. وكأن دوره ينحصر في التنبؤ بالكوارث لا في تفكيك مسبباتها.
يصعب التعامل مع خطاب تركي الفيصل كموقف مبدئي أو نقد صادق للازدواجية الغربية، وهو الذي أمضى عقودا في ترويج السرديات المعادية لآی مقاومة ضچ اسرائیل، متجاهلا تماما جرائم الاحتلال الإسرائيلي. فالرجل لم يكن يوما على مسافة من الرواية الغربية، بل شكّل أحد أذرعها الناطقة باسم النظام السعودي. وحين يتحدث اليوم بلغة توحي بالنقد والموضوعية، فإن خطابه لا يعكس تحوّلا في الرؤية، بل يُقْرأ كجزء من محاولة ممنهجة لإعادة ضبط الصورة الخطابية للنظام، في لحظة حساسة يُراد فيها امتصاص تصاعد الغضب الشعبي، ومجاراة التحولات الرمزية في الرأي العام، دون المساس بجوهر الاصطفاف السياسي.
إن الاستعانة بتركي الفيصل كمتحدث رسمي للنظام السعودي في هذه المرحلة الحرجة لا تعدو أن تكون انعكاسا لواقع مأزوم يعيشه الحكم السعودي، حيث تتقاطع أزمات داخلية وضغوط إقليمية متصاعدة مع تراجع مريع في القدرة على صياغة خطاب سياسي متماسك وفعّال. خطاب الفيصل، رغم حمولته"النقدية"، لم يخرج عن كونه محاكاة رديئة لخطاب رسمي مختل، يفتقر إلى الجرأة والشفافية، فلم يقدم أي بدائل حقيقية أو استراتيجية، بل ظل أسيرَ لعبة التهويل الموجهة لتشتيت الغضب الشعبي وتضليل الرأي العام، محققا بذلك فشلا ذريعا في احتواء الأزمة أو تهدئة الاحتقان.
في المقابل، لا يمكن لأي جهد لغوي أو مناورة خطابية أن تنكر حقيقة التحولات الاستراتيجية الجذرية التي أحدثتها إيران في حربها الأخيرة وعبر ضرباتها الصاروخية على قاعدة العديد الامريكية، والتي أعادت صياغة موازين القوة في المنطقة لصالح محور المقاومة. هذه الوقائع تضع السعودية أمام مأزق حقيقي؛ إذ تفقد مكانتها السياسية والرمزية في العالم الإسلامي، بينما تتعاظم مكانة طهران كقوة إقليمية ذات نفوذ متزايد. التطبيع السعودي المعلن، في هذا السياق، لا يعدّ سوى مقامرة خطيرة تهدد بتقويض نفوذ "المملكة" الإقليمي وتسقيط مكانتها في العالم الإسلامي، وسط تحديات عميقة ومتراكمة لم تعد قادرة على تجاهلها أو مواجهتها بفاعلية، ما ينذر بمخاطر حقيقية على وزنها الإقليمي ومستقبلها السياسي.