عاجل:
اختزال السياسات العربية في عقيدة «الولاء والبراء السعودية نموذجًا
الاخبار 2026-07-05 07:53 536 0

اختزال السياسات العربية في عقيدة «الولاء والبراء السعودية نموذجًا

تشهد الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في نظرة قطاعات واسعة من الرأي العام إلى قضايا الشرق الأوسط.

 بقلم: هاني العبندي...

 

تشهد الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في نظرة قطاعات واسعة من الرأي العام إلى قضايا الشرق الأوسط. ولم يكن هذا الانطباع مبنيًا على متابعة وسائل الإعلام وحدها، بل لمسته أيضًا من خلال عشرات الحوارات التي أجريتها مع أمريكيين من خلفيات وأعمار مختلفة؛ شبابًا وكبارًا في السن، ومن عامة الناس الذين لا ينتمون إلى أحزاب أو تيارات أيديولوجية.

 

وقد لاحظت أن القاسم المشترك بينهم لم يكن تأييد طرفٍ بعينه، بل رفضهم المتزايد لما يرونه من حروبٍ متكررة، وتدخلات خارجية، وفوضى سياسية وأخلاقية، باعتبارها سياسات تُنتج مزيدًا من عدم الاستقرار والمعاناة الإنسانية.

 

وقد أسهمت الحرب على غزة، وما رافقها من صور الدمار والخسائر البشرية، في تسريع هذا التحول وإعادة فتح نقاشات كانت حتى وقت قريب تُعد من المحرمات السياسية داخل الولايات المتحدة.

 

وفي العلوم الاجتماعية، يُعد اختزال الظواهر المعقدة إلى متغير واحد من أكثر الأخطاء المنهجية شيوعًا؛ لأن السلوك السياسي نتاج تفاعل عوامل متعددة، لا عامل واحد مهما بلغت أهميته.

 

وفي مقابل هذا التحول، برزت خطابات تحاول إعادة تفسير المشهد من زاوية مختلفة؛ فبدلًا من مناقشة الوقائع السياسية والعسكرية، أو تحليل سلوك الدول وفق أدوات العلوم السياسية والعلاقات الدولية، يعمد بعض الكتّاب والمتحدثون إلى اختزال سياسات الدول العربية والإسلامية في عقيدة دينية واحدة، هي عقيدة «الولاء والبراء»، وكأنها المفتاح الوحيد لفهم كل موقف سياسي يصدر عن المسلمين أو الدول ذات الأغلبية المسلمة.

 

ولا تكمن المشكلة هنا في الاستعانة بالدين بوصفه أحد العوامل المؤثرة في السياسة؛ فالدين قد يكون، في ظروف معينة، أحد العناصر التي تؤثر في صنع القرار.

 

وقد ذهب عدد من الباحثين في السياسة المقارنة ودراسات الإسلام السياسي، ومنهم (John L. Esposito – جون إل. إسبوزيتو)، في كتابه Islam and Politics (1984)، إلى أن الدين قد يكون أحد العوامل المؤثرة في السلوك السياسي، لكنه لا يكفي وحده لتفسير سياسات الدول أو العلاقات الدولية.

 

وإنما تكمن المشكلة في تحويله إلى التفسير الوحيد، مع تجاهل بقية العوامل المتعلقة بطبيعة النظام السياسي، والمصالح الاستراتيجية، والاقتصاد، والأمن، والتوازنات الإقليمية، وهي العوامل التي تشكل أساس تحليل العلاقات الدولية.

 

وتُتخذ السعودية هنا نموذجًا تطبيقيًا؛ لأنها تمثل واحدةً من أوضح الحالات التي يمكن من خلالها ملاحظة العلاقة المتغيرة بين السلطة والخطاب الديني.

 

فالسعودية، على سبيل المثال، لا تتحرك بوصفها دولةً دينية، بل بوصفها دولةً ملكيةً مطلقة تُدار وفق اعتبارات السلطة والحكم، لا وفق تطبيقٍ حرفي لمبادئ الشريعة الإسلامية في المجال السياسي.

 

ومع ذلك، فقد قدّمت نفسها لعقود بوصفها حارسة الإسلام السني ومركز «العقيدة الصحيحة»، ومنحت المؤسسة الدينية مساحة واسعة في التعليم، والقضاء، والمجتمع، والرقابة الأخلاقية (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

 

وبعد حادثة الحرم المكي عام 1979، ازداد نفوذ التيار المحافظ ورجال الدين داخل الدولة، وتعزز حضور الخطاب الديني في المجال العام، وهو ما ناقشته الكاتبة والباحثة (Madawi Al-Rasheed – د. مضاوي الرشيد) في كتابها A History of Saudi Arabia (2002).

 

لكن الدولة نفسها، حين احتاجت إلى الحماية الأمريكية بعد غزو العراق للكويت عام 1990، استعانت بقوات أمريكية وغير مسلمة على أراضيها، ثم وفرت لهذا القرار غطاءً دينيًا عبر فتاوى مؤيدة للاستعانة بهذه القوات.

 

وقد ناقش الباحث (F. Gregory Gause III – إف. غريغوري غاوس الثالث) في كتابه Oil Monarchies: Domestic and Security Challenges in the Arab Gulf States (1994)، الكيفية التي غلبت بها اعتبارات أمن الدولة وبقاء النظام على الاعتبارات الأيديولوجية في سياسات دول الخليج خلال تلك المرحلة. ولو كانت عقيدة «الولاء والبراء» هي العامل الحاسم في صنع القرار، لما أمكن تبرير هذا التحالف.

 

وفي المرحلة اللاحقة، لم تتغير النصوص الدينية فجأة، وإنما تغيرت أولويات الدولة. ومع إطلاق «رؤية 2030»، تقلص نفوذ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقُلِّصت صلاحياتها، ورُفع الحظر عن دور السينما التجارية، وأُدخلت إصلاحات اجتماعية وثقافية واسعة، وأصبح الخطاب الرسمي يتحدث عن «الإسلام المعتدل».

 

ولم تكن هذه التحولات نتيجةَ تغيرٍ في العقيدة، بقدر ما كانت انعكاسًا لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمؤسسة الدينية بما يخدم المشروع السياسي والاقتصادي الجديد للدولة، وهو ما ينسجم مع التحليل الذي قدمته الباحثة (Madawi Al-Rasheed – د. مضاوي الرشيد) في كتابها The Son King: Reform and Repression in Saudi Arabia (2020).

 

وفي هذا السياق، استُخدمت مشاركة بعض الدول في إرسال وفودٍ رسمية إلى طهران لإلقاء النظرة الأخيرة وتقديم التعازي عقب الاغتيال السياسي للمرشد الأعلى الإيراني السيد علي خامنئي، بوصفها دليلًا على أن «الأخوة الإسلامية» تتغلب على المصالح السياسية.

 

غير أن هذا التفسير يتجاهل أن مثل هذه الوفود، في العرف الدبلوماسي، لا تعني بالضرورة تبنّي موقفٍ عقائدي أو اصطفافًا أيديولوجيًا، بل قد تُفهم في إطار حسابات الدولة في إدارة الأزمات، واحتواء التصعيد، والحفاظ على قنوات الاتصال مع قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها.

 

وهنا تبرز المشكلة المنهجية الأهم في هذا النوع من التفسير. فإذا كانت عقيدة «الولاء والبراء» هي بالفعل المتغير المفسر لسلوك الدول العربية، فلماذا لا تُستخدم لتفسير جميع الوقائع، بل تُستدعى فقط عندما تؤدي إلى النتيجة التي يريدها أصحاب هذا الطرح؟

 

ويزداد هذا التناقض وضوحًا عندما يُقال إن تقديم التعازي في قائدٍ مسلم، أو إرسال وفد رسمي إلى دولةٍ ذات أغلبية مسلمة، يُعد دليلًا على أن «الأخوة الإسلامية» هي المحرك الرئيس للسلوك السياسي.

 

فإذا صح هذا المنطق، فلماذا لا يُستخدم المعيار نفسه لتفسير العلاقات الرسمية أو غير المباشرة التي تقيمها بعض الدول العربية مع قادة غير مسلمين، أو مع دول تختلف معها دينيًا؟ ولماذا يُختزل السلوك السياسي في العقيدة عندما يكون الطرف الآخر مسلمًا، بينما يُفسَّر بالمصلحة والاستراتيجية عندما يكون الطرف الآخر غير مسلم؟

 

إن هذا التباين في استخدام المعيار يكشف أن المشكلة ليست في الوقائع، بل في المنهج. فالعقيدة لا تُستخدم هنا باعتبارها متغيرًا تحليليًا ثابتًا، وإنما باعتبارها أداة انتقائية تُستدعى عندما تؤيد الفرضية المسبقة، وتُغفل عندما تقود إلى نتائج تناقضها. وهذا يتعارض مع أبسط قواعد التحليل العلمي، التي تقتضي أن يكون المعيار واحدًا في تفسير الوقائع المتشابهة، لا أن يتغير تبعًا للنتيجة المراد إثباتها.

 

فلماذا لا تُفسَّر بها استضافةُ السعودية للقوات الأمريكية؟ ولماذا لا تُستخدم لتفسير التحالفات العسكرية مع دولٍ غير مسلمة؟ ولماذا لا تُفسَّر بها العلاقات الاقتصادية والأمنية مع الغرب؟ ولماذا لا تُستحضر عند الخلافات والصراعات بين الدول الإسلامية نفسها؟ ولماذا تغيب عند العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية التي تقيمها بعض الدول العربية مع إسرائيل، ثم لا تُستدعى إلا عندما يتعلق الأمر بإيران؟

 

إن التفسير العلمي لا يعمل بهذه الطريقة. فالتفسير الذي يصلح لواقعة واحدة فقط، ويتجاهل الوقائع الأخرى، لا يكون تفسيرًا علميًا، بل قراءةً انتقائيةً للواقع.

 

وهذا ما يُعرف في الأدبيات العلمية بـ«التحيز التأكيدي» (Confirmation Bias)، أي الميل إلى انتقاء الأدلة التي تؤيد الفرضية المسبقة، وإهمال الأدلة التي تناقضها، وهو مفهوم شرحه الباحث (Raymond S. Nickerson – ريموند إس. نيكرسون) في دراسته المرجعية Confirmation Bias: A Ubiquitous Phenomenon in Many Guises (1998).

 

إن المشكلة في هذا الخطاب أنه لا يتعامل مع الدول العربية بوصفها دولًا لها مؤسسات ومصالح وحسابات أمنية شديدة التعقيد، بل يتعامل معها كما لو كانت كيانات تتحرك بعقيدة واحدة ثابتة؛ فيُختزل علم السياسة في تفسير ديني، وتُختزل العلاقات الدولية في نصوص عقدية، ويُختزل التاريخ في فرضية واحدة.

 

إن اختزال السياسات العربية في عقيدة «الولاء والبراء» لا يكشف حقيقة الشرق الأوسط، بقدر ما يكشف أزمةً في المنهج الذي ينطلق منه هذا التفسير.

 

فهو يبدأ من فرضيةٍ أيديولوجية مسبقة، ثم يعيد قراءة الوقائع بما يوافقها، بينما يستبعد كل ما يناقضها. ومن ثم، لا يكون الدين في هذا الخطاب أداةً لفهم الواقع، بل وسيلةً لإثبات نتيجةٍ جرى تبنّيها مسبقًا، ثم البحث عمّا يؤيدها من الوقائع، لا لاختبارها.

 

آخر الاخبار